authentication required

المقال الشهري لصحيفة الحدث الفلسطيني:

أنسنة الأسرى كما تبدو في كتاباتهم الإبداعية والبحثية [*]

فراس حج محمد| فلسطين

 

تعد تجربة الاعتقال في الوجدان الفلسطيني واحدة من أعمق الركائز التي صاغت الهوية الوطنية، ومن رحم هذه التجربة القاسية انبثق ما اصطلح على تسميته أدب السجون. إلا أن هذا المصطلح يخضع لمراجعة فلسفية ونقدية جذرية في المشروع الثقافي والحقوقي للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، وهو ما يتجلى بوضوح في إصدار كتابه "احتمالات بيضاء: قراءات في أدب الحرية الفلسطيني".  (دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2025)

يتجاوز هذا العمل توثيق إصدارات الأسرى، ليكون فعل اشتباك ثقافي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص والكاتب، وبين الزنزانة والفضاء العام، من خلال منهجية الأنسنة التي تحول الأسير من رقم أو حالة أمنية إلى مبدع يحاور العالم ويصيغ مستقبله بمداد الحرية.

ينطلق حسن عبادي في كتابه احتمالات بيضاء من انحياز واعٍ لمصطلح أدب الحرية كبديل لمصطلح أدب السجون، إذ تشير هذه التسمية [أدب الحرية] إلى تحرر الأدب والنص من قيود المكان، ومنح الأسير صفة الفاعل بدلا من صفة الضحية، وتأكيد دور الأدب في كسر العزلة، وتخطي الحواجز المنيعة، ليعيش الأسير الكاتب من خلال كتبه وأدبه مع المجتمع ليصوغ بذلك أهم أفكاره ومشاريعه التي من أهمها العمل من أجل التحرر والانعتاق.

ويرى عبادي أن تسمية أدب السجون في السياق العربي العام غالباً ما ترتبط بمفاهيم سلبية مثل الإحباط، واليأس، وتوثيق لحظات الانكسار أمام الجلاد، كما يظهر في بعض الروايات العربية التي صورت السجن كقبر للإرادة. أما في الحالة الفلسطينية، فإن الكتابة خلف القضبان فعل تحرر بحد ذاته، وغصن وارف من أغصان أدب المقاومة الذي يهدف إلى شحن الهمم وتكريس فلسفة التحدي.

إن اختيار عنوان احتمالات بيضاء يحمل دلالات سيميائية عميقة؛ فاللون الأبيض في الموروث الثقافي يرمز للنقاء، والبراءة، والبدايات الجديدة. ومن خلال هذا العنوان، يشير عبادي إلى أن كل حرف يكتبه الأسير هو احتمال أبيض للنجاة والتحرر، وهو نافذة تفتح على مستقبل لا يحده السقف الإسمنتي للزنزانة، فالكتابة هنا ليست تمرينا ذاتياً لتزجية للوقت، بل مضاد للوهم واليأس وحارس أمين على الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

شهد فكر حسن عبادي تطوراً ملحوظاً في تناوله لأعمال الأسرى؛ فبعد أن كان التركيز في مراحل سابقة منصباً على النص كبنية أدبية مجردة، انتقل منذ عام 2019 إلى مرحلة الانحياز الكلي للأسرى بوصفهم يمثلون قضية إنسانية وتحررية شاملة. صار المنهج النقدي في قراءات "احتمالات بيضاء" المتأخرة يُعنى بالكاتب كإنسان أولاً، حيث يوظف النص لإبراز معاناة الأسير وطموحاته الفردية، دون إهمال النواحي الفنية ولكن مع إعطائها وظيفة اجتماعية ونضالية إنسانية، وبذلك يتحول الناقد من نقد النص إلى نقد الحالة الإنسانية، أو ما يمكن تسميته بالأنسنة النقدية.

لقد ابتعدت القراءات في الكتاب عن إصدار أحكام القيمة المطلقة، وظلت تصف وتحلل البنية النصية وتستعرض المسائل الفكرية، وهو ما ينسجم مع هدف المؤلف في جعل الكتاب جسراً ثقافياً يصل بين الأسرى وأحبتهم وبين الحق والضمير العالمي، إن هذا التوجه النقدي يعيد الاعتبار للأسير كذات فاعلة ومؤثرة، ويرفض اختزاله في صورة الضحية الساكنة.

لا يمكن فصل كتاب احتمالات بيضاء عن المبادرات الميدانية التي أطلقها عبادي، مثل لكل أسير كتاب ومن كل أسير كتاب. هذه المبادرات التي انطلقت رسمياً في عام 2019، شكلت متنفساً حقيقياً للأسرى، حيث سمحت بإيصال آلاف الكتب إلى الزنازين، وبالمقابل إخراج نتاجات الأسرى الأدبية إلى الفضاء العام، ويصف الأسرى أنفسهم هذه المبادرات بأنها حرية مؤقتة تمنحهم القدرة على الطيران فوق القضبان من خلال الكلمة.

يناقش الكتاب مجموعة من المفاهيم التي أفرزتها التجربة الكارثية الفلسطينية، ومن أبرزها ظهر مفهوم الزمن الموازي الذي صاغه الأسير الشهيد وليد دقة، ويشير إلى وجود زمنين منفصلين: زمن الخارج الطبيعي الذي يسير بوتيرة متسارعة، وزمن الداخل الراكد خلف الجدران. يحلل عبادي كيف يحاول الأسرى عبر الكتابة كسر هذا الجمود الزمني، والاشتباك مع أحداث الخارج ليبقى الأسير جزءاً حياً من زمن وطنه، وهو يختلف في المفهوم العام عن مفهوم الزمن النفسي، المرتبط بالحالة النفسية للإنسان، وشعوره بالزمن، وليس كحالة زمن عام يدخلها الأسير ويعيش فيها بضرورات مفروضة عليه من سلطة قهرية، تمنح الزمن بعدا عنفياً أيضاً.

يضم الكتاب قراءات لاثنين وستين مؤلفاً، تشمل روايات، ودواوين شعرية، وكتب خواطر ونصوص وجدانية، ودراسات بحثية، وسيراً ذاتية، وقصص أدب أطفال، كما يعكس الكتاب تنوعا جغرافيا يجسد انتماء الكتاب الأسرى إلى مناطق فلسطين المختلفة، وتوزعهم على سجون متعددة، ويمثلون فصائل العمل الوطني الفلسطيني من اليسار إلى اليمين ومن الإسلاميين إلى العلمانيين، واستدعى ذلك بالضرورة تنوعا فكريا أثرى الكتاب وجعل له أهمية خاصة.

ويجمع هؤلاء المبدعين قاسم مشترك هو الإنسان الفلسطيني الفاعل، ويتناول المؤلفون فيها قضايا من مثل: البحث عن الذات، والتاريخ المتخيل، وفلسفة الوجود، والالتزام القومي، والحنين، وتحدي الزنزانة، وتحليل العقل الصهيوني، واستراتيجيات المقاومة، والاغتيالات، وتوثيق العزل الانفرادي، ومعاناة الأسيرات، والانتصارات الصغيرة.

يفرد عبادي مساحة واسعة لتجربة باسم خندقجي، مشيراً إلى أنها تجربة لافتة للنظر؛ فهو لا يكتب عن جدران سجنه بل يغوص في التاريخ والصوفية، كما في رواية خسوف بدر الدين، ليثبت أن السجن قد يعتقل الأجساد لكنه يعجز عن أسر الروح والفكر. يرى عبادي أن خندقجي يمثل أدب السجون الحداثي الذي يتجاوز المباشرة إلى آفاق إبداعية عالمية.

يعد وليد دقة من أبرز الأيقونات التي تناولها عبادي، خاصة في رواية حكاية سر الزيت الموجهة لليافعين، ويحلل عبادي كيف وظف دقة الخيال العلمي والفانتازيا ليخاطب الأجيال القادمة، معتبراً أن سر الزيت هو سر المعرفة التي تمكن الأسير من الاختفاء عن أعين السجان وتحقيق حريته العقلية.

في قراءته لكتاب صدى القيد لأحمد سعدات، يسلط عبادي الضوء على سياسة العزل الانفرادي، ولا يكتفي عبادي بالوصف القانوني، بل يستعرض كيف حول سعدات العزلة إلى مختبر فكري لتعزيز انتماء الأسير للجماعة وقيمها، مشدداً على أن الهدف من العزل هو تدمير الشخصية، والرد يكون بالصمود الذي يفكك قيم العدو العنصرية.

لا يكتفي حسن عبادي بالاحتفاء بالإبداع، بل يتوقف عند الكتب التي تثير قضايا شائكة داخل الحركة الأسيرة والمجتمع الفلسطيني، مما يجعل احتمالات بيضاء وثيقة نقدية اجتماعية وسياسية بامتياز، فتناول عبادي بجرأة أعمالاً مثل القديس والخطيئة لخليل أبو عرام، وبقايا زنزانة لقتيبة مسلم، هذه الكتب تقرع ناقوس الخطر حول ظواهر مثل الاختراق الأمني، والانقسام المقيت، وحتى الفساد المالي والإداري الذي قد يتسلل إلى بعض مفاصل الحركة الأسيرة، ويرى عبادي أن نشر هذه الانتقادات هو واجب وطني لتطهير الواقع وبناء سيرة تاريخية صحيحة للتجربة الاعتقالية.

في مراجعته لرواية زغرودة الفنجان لحسام شاهين، والشهيدة لهيثم جابر، يناقش عبادي الوجه البشع للاحتلال المتمثل في الإسقاط الأمني والعمالة، ويشيد عبادي بجرأة هؤلاء الكتاب في تناول التابوهات الاجتماعية والجنسية التي يستغلها الاحتلال لابتزاز المناضلين، معتبراً أن هذه الكتابات هي فعل تطهير للمجتمع.

كما يسلط عبادي الضوء على رواية لماذا لا أرى الأبيض؟ لراتب حريبات التي توثق الفظائع في عيادة سجن الرملة أو ما يطلق عليه الأسرى المسلخ، ويحلل عبادي كيف تعكس الرواية تحول الأسرى المرضى إلى أرقام تنتظر الموت، وكيف يغيب اللون الأبيض (لون النظافة والأمل) تماماً عن عيونهم، ليحل محله سواد القهر وبنيّ الزي الموحد.

يخصص عبادي في احتمالات بيضاء حيزاً لأدب الأسيرات، متناولاً أعمالاً لنادية الخياط، وأماني حشيم، وإسراء جعابيص، ويلاحظ الكاتب أن المرأة الأسيرة تعاني من زنزانة مزدوجة: زنزانة المحتل، وزنزانة التقاليد الاجتماعية التي قد تحاصرها بعد التحرر، وفي كتابته عن كتاب موجوعة، يوثق عبادي صرخة إسراء جعابيص التي تعكس الألم الجسدي والنفسي وتهميش قضايا الأسيرات الجريحات.

يطرح الكتاب إشكاليات متعددة أهمها ما يتصل بصنعة الكتابة نفسها، حيث نشأ كثير من تلك الكتب التي تتناولها قراءات كتاب "احتمالات بيضاء" في ظروف استثنائية وغير طبيعية، فقد كتبت داخل السجون، ومرّت عملية إخراجها من هناك واستقرارها كتبا مطبوعة رحلة طويلة يكتنفها الكثير من المخاطر والمصاعب، ومن جانب آخر تؤكد هذه الكتب أهمية الأدب نفسه في التعريف بالقضايا السياسية المهمة، وكيف يمكن أن يكون رافعة نضالية وجماهيرية.

بالإضافة إلى تينيك المسألتين، ثمة مسألة أخرى حريّ أن أشير إليها وهي أنه قد يعيش مجموعة من الكتاب تجربة واحدة، ولكن لا يكون لها التأثير نفسه، فكتاب الشعب الفلسطيني قاطبة يعيشون ظروفا واحدة تحت الاحتلال لكنهم أنتجوا أدبا يختلف من كاتب إلى آخر، في التفاصيل وفي الأحاسيس، وزاوية المعالجة، والنظرة، وكذلك الكتاب الأسرى، فعلى الرغم من أنهم مروا بتجربة تكاد تكون متطابقة إلا أن عالم كل أسير يختلف عن الآخر نفسيا، وفي تفاعل التجربة الذاتية مع المحيط، وهذا ما يلاحظه من يقرأ كتابات الأسرى، أو يقرأ هذه القراءات.

يوثق كتاب "احتمالات بيضاء" الحراك الثقافي الواسع الذي أحدثه مشروع حسن عبادي، وخاصة في الأردن، من خلال مبادرة أسرى يكتبون، ومؤتمر أدب الحرية الذي عقدته رابطة الكتاب الأردنيين في عمان (نيسان، 2025)، لقد تحول النشاطان إلى تظاهرة عربية شارك فيها أدباء ونقاد من فلسطين، والأردن، والجزائر، ولبنان، والعراق، مما ساهم في تدويل أدب الأسرى ورفعه إلى مصاف الدراسات الأكاديمية الرصينة، وأكد المشاركون، أن تينك المبادرتين تندرجان ضمن حركة تحرر وطني تزاوج بين الكتابة بالنار والكتابة بالحبر.

[*] ألقيت خلال فعالية إطلاق كتاب "احتمالات بيضاء" في متحف محمود درويش يوم الأربعاء 4/2/2026، ونشرت في العدد 191 لصحيفة الحدث الفلسطيني، شهر شباط 2026.

 

المصدر: فراس حج محمد
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 6 مشاهدة
نشرت فى 26 فبراير 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

21,940,392

معبد الأقصر