سياسات رقمنة التعليم في فلسطين: بين طموح التحول وتحديات الواقع

بقلم: [عبدالله احمد خلف الله]

مقدمة

في الظروف العادية، تُطرح رقمنة التعليم كجزء من تطوير النظام التعليمي وتحسين جودة التعلم. لكن في فلسطين، وخصوصًا في قطاع غزة، اكتسب هذا الموضوع معنى مختلفًا في ظل الحرب والدمار الذي حدث في قطاع غزة.و لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة حديثة، بل أصبحت أداة لمحاولة الحفاظ علي استمرار التعليم  ولو بالحد الادني في وقت دمرت فيه المدارس وتحول ماتبقي منها الي مراكز نزوح، وتأثرت الحياة اليومية  للمواطن الفلسطيني في قطاع غزة بشكل كبير،ومع تكرار الحروب، خصوصا حرب الابادة الاخيرة علي قطاع غزة وجد التعليم نفسه أمام واقع يفرض حلولًا اضطرارية أكثر من كونه خيارات مخططًا لها. من هنا، يحاول هذا المقال فهم كيف تحولت رقمنة التعليم في السياق الفلسطيني من مشروع تطوير إلى وسيلة استمرارية، وما الذي تكشفه هذه التجربة عن العلاقة بين التعليم والواقع الفلسطيني غير المستقر.

بدايات الرقمنة في التعليم الفلسطيني

بدأت رحلة رقمنة التعليم في فلسطين مع مطلع الألفية من خلال مبادرة التعليم الفلسطينية (PEI)، التي هدفت في بدايتها إلى إدخال الحواسيب إلى المدارس وتحديث البيئة التعليمية و كان الحديث عن الرقمنة يدور حول مواكبة التطور وتحسين طرق التدريس، كما هو الحال في كثير من الأنظمة التعليمية،ومع مرور الوقت، بدأت وزارة التربية والتعليم تدمج الرقمنة بشكل أوسع ضمن خططها، لضمان استمرار الوصول إلى التعليم ،حتي جاءت جائحة كورونا عام 2020 لتكون الاختبار الحقيقي لهذه التوجهات؛ فقد كشفت عن فجوة رقمية واضحة، لكنها في الوقت نفسه دفعت إلى تسريع تطوير المنصات التعليمية الإلكترونية والكتب التفاعلية.

وهذا التأسيس المسبق، رغم محدوديته، ساعد المنظومة التعليمية على الصمود جزئيًا لاحقًا وعندما حدثت حرب الابادة في قطاع غزة في أكتوبر 2023،ودمرت المدارس والجامعات، أصبح الاعتماد على التعليم الالكتروني ضرورة أكثر منه خيارًا.

التعليم تحت الحرب: عندما تصبح الرقمنة ضرورة

إذا نظرنا إلى السياسات التربوية في غزة خلال العامين الأخيرين، نجد أننا لا نتحدث عن خطط تطوير، بل عن إدارة أزمة. فقد أدى العدوان الأخير إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية التعليمية. وتشير تقديرات Education Cluster، المبنية على صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية، إلى أن نحو 87.7٪ من المباني التعليمية تضررت أو دُمّرت، وأن قرابة 91.8٪ منها تحتاج إلى إعادة بناء أو ترميم رئيسي قبل أن تعود للعمل.

وفي هذه اللحظة الصعبة، اتجهت الجهات التربوية الفلسطينية   في وزارة النربية والتعليم إلى التعليم الإلكتروني كحل اضطراري، وتبعتها وكالة الغوث في هذا المسار. ولم يكن الهدف رفاهية رقمية، بل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من العملية التعليمية. وتم نقل سجلات آلاف الطلبة وعلاماتهم ومناهجهم إلى خوادم سحابية خارج قطاع غزة لضمان عدم ضياع الحق في التعليم تحت الأنقاض. هذا التحول لم يكن مخططًا مسبقًا، لكنه يعكس مستوى عالٍ من المرونة في التعامل مع واقع غير مسبوق.

تحديات التعليم الرقمي على أرض الواقع

لفهم رقمنة التعليم في غزة بشكل أعمق، من المهم النظر إلى التحديات التي تجعل التعليم الرقمي مهمة صعبة في الظروف الحالية.

أولاً: ضعف الوصول إلى الإنترنت

أدّى الدمار الواسع في شبكات الاتصالات إلى جعل الإنترنت خدمة نادرة وصعبة المنال. ورغم الحديث المتكرر عن إدخال تقنيات مثل 4G و5G، يبقى هذا الأمر بعيدًا عن الواقع اليومي للناس، وحتى لو تحقق، سيحتاج سنوات قبل أن يُحدث فرقًا فعليًا. في هذا السياق، يحاول الطالب الفلسطيني فتح منصات تعليمية عبر شبكات متهالكة أو اتصال بطيء، ما يجعل الرقمنة تصطدم بواقع تقني قاسٍ.

ثانيًا: أزمة الكهرباء والطاقة

يعتمد التعليم الرقمي بشكل أساسي على توفر الكهرباء، لكن في غزة أصبحت الكهرباء نفسها تحديًا يوميًا. كثير من الأسر والمؤسسات تعتمد على ألواح شمسية صغيرة لا تكفي إلا لتشغيل الحد الأدنى من الأجهزة أو شحن الهواتف، ما يجعل متابعة الدروس الإلكترونية عملية شاقة وغير مستقرة.

ثالثًا: الواقع النفسي والاجتماعي

لا يمكن فصل التعليم الرقمي عن الحالة النفسية للطلبة. الطالب الذي يحاول متابعة دروسه من خيمة نزوح يعيش حالة من القلق وفقدان الأمان، وهو ما يؤثر مباشرة على قدرته على التعلم. لذلك، لم تعد الرقمنة مسألة تقنية فقط، بل تتطلب سياسات تعليمية تدمج الدعم النفسي إلى جانب المحتوى التعليمي.

التعليم غير المتزامن: عندما يتكيف التعلم مع الظروف

من أبرز السياسات التي جرى تبنيها في غزة كان التعليم غير المتزامن. فمع انقطاع الكهرباء والإنترنت، وصعوبة التواجد في مكان ثابت بسبب النزوح، لم يعد ممكنًا أن يكون المعلم والطالب متصلين في الوقت نفسه. لذلك، أصبح الاعتماد على مواد تعليمية يمكن للطالب الوصول إليها في الوقت الذي تسمح فيه الظروف.

يقوم المعلم بشرح الدرس في وقت الحصة أو تسجيل مقطع فيديو أو رسالة صوتية، ثم يرسلها عبر منصات مثل تيمزأو تطبيقات التواصل. ويقوم الطالب بتحميل المحتوى متى توفرت إشارة إنترنت وظروف مناسبة. هذا النمط من التعليم غيّر شكل اليوم الدراسي كما كان معروفًا؛ فلم يعد هناك وقت محدد للحصة أو انتظام تقليدي، بل أصبح التعلم عملية مستمرة تتكيف مع حركة الطالب وظروفه.

بهذا المعنى، لم يعد التعليم مرتبطًا بجدول صارم، بل أصبح أكثر مرونة في محاولة للتكيف مع واقع غير مستقر.

دور المنظمات الدولية ومعضلة السيادة الرقمية

كان دور وكالة الغوث (الأونروا)  مهمًا في دعم التعليم الرقمي في غزة، حيث وفرت منصات تعلم رقمية أتاحت لآلاف الطلبة الاستمرار في التعلم رغم الظروف الصعبة. وقد شكّلت هذه المنصات مساحة تعليمية بديلة في وقت تعذّر فيه الوصول إلى المدارس،لكن هذا الدور يفتح نقاشًا أوسع حول السيادة الرقمية في التعليم الفلسطيني. فالدعم الدولي يركّز غالبًا على توفير الأجهزة والبرامج، بينما تبرز حاجة أكبر للاستثمار في بنية تحتية رقمية محلية، مثل خوادم وطنية وأنظمة مستقلة لإدارة البيانات. فاستمرارية التعليم لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل أيضًا بمكان تخزين بيانات الطلبة وكيفية إدارتها.

من هنا، يظهر تحدٍ إضافي أمام السياسات التربوية: كيف يمكن الاستفادة من الدعم الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من الاستقلالية الرقمية وضمان حماية البيانات التعليمية على المدى البعيد؟

الجودة والعدالة في التعليم الرقمي الطارئ

في الظروف العادية، تُقاس جودة التعليم بمعايير واضحة تتعلق بالمحتوى، وأساليب التدريس، ونتائج التعلم. لكن في غزة، أعادت الأزمة تعريف مفهوم الجودة نفسه. لم يعد التركيز على الكمال التعليمي، بل على ضمان وصول الطلبة إلى الحد الأدنى من التعلم بشكل عادل، في ظل واقع نفسي وأمني معقد،لذلك، جرى تقليص المناهج والتركيز على المهارات الأساسية مثل اللغة العربية والرياضيات والعلوم،واللغة الانجليزية فيما يمكن اعتباره منهجًا مكثفًا يتناسب مع الظروف الاستثنائية. كما تم اعتماد أساليب تقييم أكثر مرونة، مثل الاختبارات الإلكترونية التي تبقى متاحة لعدة أيام، بحيث يتمكن الطالب من الإجابة عندما تسمح له الظروف. هذا التحول لا يعكس تراجعًا في قيمة التعليم، بل محاولة للتكيف مع واقع الحرب والحفاظ على استمرارية التعلم بأكبر قدر ممكن من العدالة.

نحو سياسة صمود تعليمية مستدامة

لا تبدو رقمنة التعليم في غزة وفلسطين مسألة مؤقتة تنتهي بانتهاء الحرب، بل أصبحت جزءًا من مستقبل التعليم في سياق يتسم بعدم الاستقرار. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية سياساتية واضحة تستفيد من تجربة السنوات الماضية، وتحوّل الاستجابة الطارئة إلى مسار أكثر استدامة.

أولاً، يبقى الوصول إلى الإنترنت شرطًا أساسيًا لاستمرار التعليم الرقمي. من المهم التعامل مع الإنترنت التعليمي بوصفه خدمة ضرورية، خاصة في أوقات الأزمات، لضمان عدم انقطاع الطلبة عن التعلم.

ثانيًا، يحتاج المعلمون والطلبة إلى تدريب مستمر على أدوات التعليم الرقمي، بحيث يصبح استخدام هذه الوسائل جزءًا طبيعيًا من العملية التعليمية، وليس مجرد حل طارئ.

ثالثًا، يمكن للتعليم المدمج، الذي يجمع بين التعلم الوجاهي والرقمي، أن يسهّل الانتقال بين الأنماط التعليمية المختلفة عند الحاجة، ويجعل النظام التعليمي أكثر قدرة على التكيف.

رابعًا، تتيح الرقمنة فرصًا للتوسع في التعليم المهني الرقمي، مثل البرمجة والتصميم والعمل عن بُعد، وهو ما قد يفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب في ظل محدودية فرص العمل التقليدية،وأخيرًا تبرز أهمية حوكمة البيانات التعليمية، من خلال تطوير بنية رقمية محلية تحمي السجلات الأكاديمية وتضمن استمراريتها.

بهذه الخطوات، يمكن أن تتحول تجربة التعليم تحت الأزمة من استجابة مؤقتة إلى سياسة تعليمية أكثر مرونة واستعدادًا للمستقبل.

وفي النهاية، تكشف تجربة غزة أن رقمنة التعليم لم تكن خيارًا تقنيًا فقط، بل وسيلة للحفاظ على استمرارية التعلم في ظروف صعبة. فقد حاول المعلمون والطلبة التكيف مع واقع غير مستقر، والبحث عن طرق بديلة لمواصلة التعليم رغم محدودية الإمكانات. هذه التجربة تبيّن أن التعليم يمكن أن يستمر بأشكال مختلفة عندما يصبح البقاء أولوية.

المراجع

UNESCO. (2024). تقارير حول التعليم في حالات الطوارئ وتأثير النزاعات على التعليم في غزة.

UNRWA. (2024). تقارير استجابة التعليم والتعلم الرقمي في قطاع غزة.

ReliefWeb. (2024). تقارير ميدانية حول تضرر البنية التعليمية وتعطل التعليم في غزة.

World Bank. (2024). تقارير حول التحول الرقمي والمرونة في السياقات الهشة.

المصدر: المراجع UNESCO. (2024). تقارير حول التعليم في حالات الطوارئ وتأثير النزاعات على التعليم في غزة. UNRWA. (2024). تقارير استجابة التعليم والتعلم الرقمي في قطاع غزة. ReliefWeb. (2024). تقارير ميدانية حول تضرر البنية التعليمية وتعطل التعليم في غزة. World Bank. (2024). تقارير حول التحول الرقمي والمرونة في السياقات الهشة.
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 13 مشاهدة
نشرت فى 26 فبراير 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

21,942,780

معبد الأقصر