مقدمة
لا شك أن السياسات التعليمية تشكل الإطار العام الذي يوجه العملية التعليمية نحو تحقيق أهدافها في مختلف الظروف، ولا سيما في سياق الأزمات. وفي السياق الفلسطيني تكتسب السياسات التعليمية أهمية مضاعفة، نظراً لخصوصية الواقع السياسي الذي تعيشه فلسطين عموماً، وقطاع غزة بشكل خاص، وذلك بسبب ما العدوان الأخير على غزة من آثار عميقة على جميع القطاعات، وقطاع التعليم بالتحديد، حيث يعيش أكثر من 625 ألف طالب وأكثر من 22500 معلم في قطاع غزة وضعاً بالغ الخطورة. (UNESCO, 2023). وقد جاءت الحرب الأخيرة على قطاع غزة لتضع السياسات التعليمية الفلسطينية أمام اختبار حقيقي، كشف عن مدى جاهزيتها للاستجابة للأزمات وقدرتها على ضمان استمرارية التعليم.
ويهدف المقال إلى فهم وتحليل واقع السياسات التعليمية الفلسطينية في ضوء العدوان الأخير على قطاع غزة، من خلال تسليط الضوء على واقع النظام التعليمي، وتحليل تأثير الحرب عليه، واستعراض السياسات المتبعة أثناء الأزمة، وصولاً إلى مناقشة التحديات والفرص، وتقديم توصيات عملية لتطوير السياسات التعليمية بما يعزز قدرتها على مواجهة الأزمات المستقبلية.
لقد اتسم النظام التعليمي الفلسطيني قبل الحرب ببنية تنظيمية واضحة تشرف عليها وزارة التربية والتعليم، ويشمل مراحل التعليم الأساسي والثانوي والتعليم العالي. وقد شهدت السنوات الأخيرة جهوداً كبيرة لتطوير المناهج، وتحسن في جودة التعليم وتعزيز كفايات المعلمين، رغم التحديات المرتبطة بالاحتلال والحصار، خاصة في قطاع غزة. (وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، 2022). ومع ذلك، عانى النظام التعليمي من مشكلات عديدة، مثل الاكتظاظ في الصفوف، ونقص الموارد المالية والتقنية، وضعف البنية التحتية، إضافة إلى التفاوت الجغرافي في جودة الخدمات التعليمية (UNRWA, 2024) ورغم هذه التحديات، حافظ التعليم على استقراراً نسبياً بفضل سياسات هدفت إلى ضمان استمرارية العملية التعليمية. حيث تعتبر السياسات التعليمية ركناً أساسياً من أركان التنمية، حيث أنها تساعد الأفراد على تحقيق كامل إمكاناتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحسين جودة حياتهم. (Swamy, 2023). كما تلعب دوراً مفي ضمان استمرارية التعليم خلال الأزمات، وتوفير الأطر التنظيمية التي تتيح التكيف مع الظروف الطارئة، وضمان الوصول العادل للتعليم، وحماية الطلبة والمعلمين (INEE, 2021).. وفي واقعنا الفلسطيني، تمثل السياسات التعليمية أداة استراتيجية لتعزيز الصمود المجتمعي، والنظر للتعليم بأنه حقاً لا يسقط في أوقات النزاعات، بل يسهم في الحد من الآثار النفسية والاجتماعية، ويحافظ على تماسك المجتمع (Save the Children, 2023).
منذ بداية الحرب الأخيرة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر2023 م أثرت الحرب بشكل جذري على جودة التعليم وإمكانية الوصول إليه، مما أدى إلى توقف العملية التعليمية بشكل كامل. (العاروري، 2024). وتمثلت أبرز تأثيرات الحرب على التعليم في:
<!--تدمير البنية التحتية التعليمية حيث تعرضت أعداد كبيرة من المدارس والجامعات لأضرار جسيمة، شملت التدمير الكلي أو الجزئي، وتحويل عدد من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، ما عطل العملية التعليمية، وقلص القدرة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية (UNESCO, 2023).. وفي أحدث إحصائية صدرت بتاريخ27/1/2026 م أفادت اليونيسف بأن 90% من المدارس في قطاع غزة تضررت أو تعرضت للتدمير بشكل مباشر، حيث تعرضت أكثر من 400 مدرسة في قطاع غزة للقصف أو التدمير، وتعرضت 162 مدرسة من المدارس التابعة للأونروا لأضرار جسيمة جراء الهجمات الإسرائيلية. (UNRWA, 2025a–e).
<!--التأثير على المعلمين والطلاب إذ واجه المعلمون فقدان لاستقرارهم الوظيفي وصعوبات في الوصول إلى المدارس، إلى جانب الضغوط النفسية المتزايدة لتعرضهم للفقد أو الإصابة أو النزوح المتكرر. أما الطلبة، فقد تعرضوا لصدمات نفسية حادة، وانقطاع طويل عن التعليم، ما أثر سلباًعلى دافعيتهم للتعلم وأدائهم الأكاديمي، ووسع الفجوة التعليمية بين الطلاب. (2022 Patrinos,).
ونظراً إلى الضرر الكبير الذي لحق بالطلبة والكوادر التعليمية والإدارية، والدمار الذي لحق بالمباني والمرافق التعليمية، فإن العودة إلى التعليم أثناء الحرب تطلبت تنفيذ آليات عاجلة للوصول إلى الحد الأدنى من التعليم، حيث تبنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية سياسات تعليمية طارئة، شملت تعديل العام الدراسي، وتخفيف المناهج، والتركيز على المواد الأساسية، إضافة إلى اعتماد أنماط التعليم الإلكتروني أو التعليم المدمج حيثما توفرت الإمكانات، بالتنسيق مع مؤسسات دولية ومنظمات إنسانية (وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، 2025). إن خطة السياسات التعليمية التي وضعتها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أبرزت سرعة الاستجابة، والمرونة النسبية في إدارة العملية التعليمية. إلا أنها، كشفت عن محدودية الموارد، وضعف البنية التحتية الرقمية، وغياب خطة وطنية شاملة للتعليم في حالات الطوارئ (INEE, 2021).
وقد واجهت السياسات التعليمية الفلسطينية خلال الحرب عدة تحديات رئيسة، أهمها غياب بعض المعلمين نتيجة النزوح وفقدان الاستقرار، وضعف الموارد المالية والتقنية، وصعوبات تطبيق التعليم البديل في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، إضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب وتفاقم التفاوت التعليمي، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً (UNRWA, 2024).وفي المقابل كان هناك العديد من الفرص أهمها:
<!--أظهرت إدارات المدارس مرونة وقدرة على التكيف مع الظروف الطارئة، من خلال إعادة تنظيم الجداول الدراسية، واستثمار الموارد المتاحة، وتطوير قنوات تواصل بديلة مع الطلبة وأولياء الأمور (UNESCO, 2023)..
<!--تحفيز الابتكار في أساليب التعليم الطارئ، من خلال استخدام أدوات رقمية بسيطة، ومنصات تعليمية متاحة، وأساليب غير تقليدية في إيصال المحتوى التعليمي، رغم محدودية الإمكانات التقنية (INEE, 2021).
<!--لعب المجتمع المحلي والمؤسسات الدولية دوراً مهماً في توفير مساحات تعليمية بديلة، وبرامج دعم نفسي واجتماعي، ومبادرات تعليمية طارئة، أسهمت في التخفيف من آثار الانقطاع التعليمي وتعزيز صمود الطلبة والمعلمين (Save the Children, 2023).
التوصيات
فرضت الحرب الأخيرة على قطاع غزة واقعاً جديداً تمثل في ضرورة إعادة النظر في السياسات التعليمية الفلسطينية، والانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى التخطيط الاستراتيجي القائم على إدارة الأزمات. ويقتضي ذلك:
<!--تطوير سياسات تعليمية مرنة تدمج إدارة الأزمات والتعليم في حالات الطوارئ ضمن الخطط الاستراتيجية الوطنية طويلة المدى.
<!--إعداد خطة طوارئ واضحة لكل مدرسة، تشمل آليات التعليم البديل، وإدارة المخاطر، وضمان سلامة الطلبة والمعلمين أثناء الأزمات.
<!--توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي للمعلمين والطلاب على حد سواء.
<!--تطوير المعلمين مهنياً للتعامل مع التعليم في ظروف الطوارئ.
<!--تطوير شراكات فاعلة مع المؤسسات الدولية والمجتمع المحلي.
الخاتمة
أظهرت الحرب الأخيرة على قطاع غزة أن السياسات التعليمية الفلسطينية تواجه تحديات عميقة في سياق الأزمات الممتدة، فعلى الرغم من الجهود المبذولة لضمان استمرارية التعليم، إلا أن هذه السياسات ما زالت بحاجة إلى تطوير شامل يجعلها أكثر قدرة على الصمود، وأكثر انسجاماً مع المعايير الدولية للتعليم في حالات الطوارئ. فالتعليم في فلسطين ليس مجرد قطاع خدماتي، بل هو أداة مقاومة وصمود. كما أن تطوير السياسات التعليمية في ضوء العدوان الأخير على قطاع غزة يعد مدخلاً لحماية حق التعليم، وتعزيز الأمل في مستقبل أكثر استقراراً وعدالة للأجيال القادمة.



ساحة النقاش