authentication required

مكرم أبو الحسن:

الكونترباص في فضاء الجاز والموسيقى المعاصرة

 

ندى امين الاعور

 في المشهد الموسيقي اللبناني المعاصر، برز خلال السنوات الأخيرة جيل من الموسيقيين الذين لم يكتفوا بإعادة تقديم القوالب الموسيقية المعروفة، بل انفتحوا على التجريب والارتجال والجاز والتأليف الجماعي والحوار بين الموسيقى العربية والموسيقى العالمية. ومن أبرز هم مكرم أبو الحسن، عازف الكونترباص والمؤلف الموسيقي اللبناني، الذي ارتبط اسمه بصورة خاصة بمشهد الجاز اللبناني والموسيقى الحرة والارتجالية.

لا تكمن أهمية تجربته في آلة الكونترباص وحدها، بل في الطريقة التي جعل بها هذه الآلة جزءاً من لغة موسيقية حديثة تتفاعل مع الساكسوفون والغيتار والدرامز والعود وسائر الآلات، وتتحول من مجرد آلة لمرافقة الفرقة إلى صوت مستقل قادر على الحوار والتأليف والارتجال.

وقد شارك أبو الحسن على مدى سنوات في فرق ومشاريع موسيقية مختلفة، وتعاون مع عدد من أبرز الموسيقيين اللبنانيين، كما قدم أعمالاً من تأليفه الخاص، وبرز اسمه في مشاريع الجاز والموسيقى التجريبية والمسرح والموسيقى العربية المعاصرة.

من أهم جوانب تجربة مكرم أبو الحسن أنه لم ينغلق داخل مدرسة موسيقية واحدة.

فقد ظهر في مشاريع تجمع الموسيقى الشرقية بالآلات الغربية، ومنها حفل "جسور بين التقاليد" الذي أقيم ضمن برنامج زكي ناصيف للموسيقى في الجامعة الأميركية في بيروت. وكانت الفكرة الأساسية للحفل بناء جسر بين الآلات الشرقية والغربية، وتقديم موسيقى تجمع بين اللونين في صيغة جديدة.

مع تطور تجربته، انتقل أبو الحسن من المشاركة في الفرق إلى قيادة مشاريعه الخاصة وهذه النقطة بالذات مهمة لفهم هويته الفنية. فهو لا يتعامل مع تاريخ الجاز بوصفه تراثاً مغلقاً، وإنما يدخل في حوار معه. يمكنه أن يعزف عملاً من أعمال أحد كبار الجاز، ثم يقدم مؤلفاً خاصاً به ضمن السياق نفسه.  وهكذا يصبح التاريخ الموسيقي مادة للحوار وليس مادة للتقليد.

من أكثر ما يميز الموسيقى اللبنانية الحديثة وجود محاولات متعددة للبحث عن علاقة جديدة بين التراث الموسيقي العربي واللغات الموسيقية العالمية. وكان مكرم أبو الحسن جزءاً من هذه الحركة. ففي "جسور بين التقاليد"  كان الكونترباص إلى جانب العود والتشيللو والرق. وهذا التشكيل بحد ذاته يحمل رسالة موسيقية. فالعود يمثل أحد أهم رموز الموسيقى العربية، بينما يمثل الكونترباص والتشيللو تقليداً غربياً أوركسترالياً. وعندما تلتقي هذه الآلات في عمل واحد، فإنها لا تلغي بعضها البعض.

بل تصبح الموسيقى مساحة للحوار. وهذا الحوار هو أحد أهم الاتجاهات في الموسيقى اللبنانية المعاصرة.

ارتبط اسم مكرم ابو الحسن  أيضاً بمشاريع مسرحية. في عام 2025، ظهر اسمه في مشروع مسرحي بعنوان "السوق العمومي" للمسرحي هشام جابر، حيث تولى تأليف موسيقي العمل. وهذا الجانب يوسع مفهوم تجربته. فالموسيقى المسرحية تحتاج إلى قدرة مختلفة عن موسيقى الحفلات. على المؤلف أن يفهم:

  • الدراما.
  • الحركة.
  • الحوار.
  • الإيقاع المسرحي.
  • الصمت.
  • بناء الشخصية.
  • الانتقال بين المشاهد.

وبالتالي فإن دخول الموسيقي إلى المسرح يعني توسيع اللغة الموسيقية لتصبح جزءاً من السرد.

في السنوات الأخيرة توسعت مشاريع أبو الحسن في مجال الجاز. ففي عام 2025 قدمت فرقة The Makram Aboul Hosn Octopus أمسية في «مترو المدينة»، ووصفت التغطية المشروع بأنه يجمع بين المؤلفات الأصلية والتوزيعات الخاصة لأعمال جاز معروفة، مع الاعتماد على الطاقة والارتجال الحي. هذا المشروع مهم من حيث الحجم والتكوين. فبعد التجارب الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية، يظهر مشروع «Octopus» كمساحة أكبر تسمح بتعدد الأصوات والتفاعلات. والاسم نفسه ــ «الأخطبوط» ــ يوحي بشبكة من الأذرع الموسيقية المتصلة. إنه نموذج مناسب لفكرة الجاز الجماعي، حيث يستطيع كل عازف أن يضيف صوته، لكن عليه في النهاية أن يبقى جزءاً من النسيج الكلي.

يعمل مكرم أبو الحسن ضمن مشهد موسيقي لبناني صغير لكنه شديد الحيوية. فالموسيقى التي يقدمها ليست بالضرورة موسيقى جماهيرية تجارية. بل هي  موسيقى تعتمد على الاستماع، الارتجال، التجريب، الحوار، والبحث. ولهذا فإن جمهورها قد يكون أقل عدداً من جمهور الموسيقى التجارية، لكنه غالباً أكثر ارتباطاً بالتجربة الفنية نفسها.

يمكننا اختصار مشروع مكرم أبو الحسن في ثلاث كلمات: الجذور، الحرية، والتجريب. فالجذور تظهر في علاقته بالموسيقى العربية والموسيقيين اللبنانيين. والحرية تظهر في الجاز والارتجال. أما التجريب فيظهر في أعماله الخاصة وتشكيلاته المتنوعة وتعاونه مع المسرح والموسيقى المعاصرة. وهذا الثلاثي هو الذي يمنح تجربته خصوصيتها.

ففي لبنان تتجاور التقاليد العربية مع التأثيرات المتوسطية والأوروبية والعالمية. من هنا  تبدو موسيقى مكرم ابو الحسن جزءاً من تجربة أوسع:

تجربة البحث عن هوية لا تنغلق على نفسها، بل تنفتح على العالم من خلال الموسيقى. وهكذا يصبح الكونترباص في يديه أكثر من آلة ترافق الفرقة. بل هو صوت. والجاز بالنسبة إليه ليس مجرد نوع موسيقي، بل مساحة للقاء بين الإنسان والآخر، وبين التراث والحداثة، وبين التأليف والارتجال.


المصدر: مقال بقلم ندى أمين الأعور
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 21 مشاهدة
نشرت فى 23 أغسطس 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,579,447

معبد الأقصر