المجتمع اللبناني والفساد:

 العلاقة بين الفساد الأفقي والعمودي والطائفي

ندى امين الاعور

لا يمكن فهم ظاهرة الفساد في لبنان باعتبارها مجرد مجموعة من المخالفات الفردية أو حالات معزولة من الرشوة وسوء الإدارة، بل ينبغي تحليلها ضمن بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تشكلت عبر تاريخ طويل من التوازنات الطائفية، وضعف المؤسسات، وتداخل السلطة السياسية مع شبكات المصالح الخاصة.

يُعد لبنان من النماذج التي يدرسها الباحثون في مجال الفساد النظامي (Systemic Corruption)، حيث لا يظهر الفساد فقط في علاقة موظف بمواطن أو مسؤول بمتعهد، بل يمتد ليصبح جزءاً من طريقة توزيع الموارد والخدمات والنفوذ. وقد ربطت دراسات عديدة بين النظام الطائفي اللبناني وبين نشوء شبكات الزبائنية السياسية التي تقوم على تبادل الخدمات مقابل الولاء السياسي.

لفهم هذه الظاهرة، يمكن تقسيم الفساد في المجتمع اللبناني إلى ثلاثة مستويات مترابطة:

1.   الفساد العمودي.

2.   الفساد الأفقي.

3.   الفساد الطائفي أو الزبائني.

 

أولاً: الفساد العمودي في لبنان

من السلطة العليا إلى الإدارة التنفيذية

يقصد بالفساد العمودي انتقال الفساد من قمة هرم السلطة إلى المستويات الأدنى داخل الدولة.

في هذا النموذج، تبدأ المشكلة عندما تتحول السلطة العامة من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتوزيع المنافع على شبكات سياسية واقتصادية.

 بنية السلطة والقرار

في الدولة الحديثة، يفترض أن تكون المؤسسات العامة قائمة على:

  • القانون.
  • الكفاءة.
  • المصلحة العامة.
  • استقلال الإدارة.

لكن عندما تصبح المناصب مرتبطة بالولاء السياسي، يتحول المنصب العام إلى مورد لتثبيت النفوذ.

في الحالة اللبنانية، يرى عدد من الباحثين أن نظام تقاسم السلطة الطائفي، الذي نشأ تاريخياً لضمان مشاركة الطوائف، تطور عملياً إلى شبكة من التوازنات بين النخب السياسية، ما أدى إلى ضعف بناء مؤسسات دولة مستقلة بالكامل.

 التعيينات السياسية

أحد مظاهر الفساد العمودي هو انتقال منطق المحاصصة إلى الإدارة العامة.

عندما يصبح معيار التعيين:

  • القرب السياسي،
  • الانتماء الحزبي،
  • الولاء للزعيم،

بدلاً من:

  • الخبرة،
  • الكفاءة،
  • الاختصاص،

فإن الإدارة تتحول من جهاز لخدمة الدولة إلى مساحة نفوذ سياسي.

 العلاقة بين السياسي والإدارة

في النموذج العمودي، تصبح بعض الإدارات مرتبطة مباشرة بمراكز القوى السياسية. فينشأ ما يسمى:

"الاستيلاء على المؤسسة" (Institutional Capture)

أي أن المؤسسة التي يفترض أن تخدم الجميع تصبح متأثرة بمصالح جهة معينة.

ثانياً: الفساد الأفقي

الفساد داخل المجتمع وشبكات المصالح

إذا كان الفساد العمودي يتحرك من الأعلى إلى الأسفل، فإن الفساد الأفقي ينتشر بين الفاعلين على المستوى نفسه.

يشمل ذلك العلاقات بين:

  • رجال الأعمال.
  • المتعهدين.
  • الموظفين.
  • الوسطاء.
  • الجماعات المحلية.

 

 اقتصاد العلاقات

في المجتمعات التي تكون فيها الدولة ضعيفة أو غير قادرة على تأمين الخدمات بشكل متساوٍ، تنشأ شبكات بديلة تقوم على العلاقات الشخصية.

في لبنان، يظهر هذا من خلال مفهوم:

الزبائنية السياسية (Clientelism)

أي تبادل الخدمات والمنافع بين السياسي والمواطن أو الجماعة مقابل الدعم السياسي. وتشير دراسات حديثة إلى أن الزبائنية ليست محصورة بالفئات الفقيرة فقط، بل يمكن أن تشمل شرائح اجتماعية مختلفة بحسب نوع المنفعة المقدمة.

 شبكة المصالح الاقتصادية

قد تنشأ علاقات أفقية بين:

  • أصحاب شركات.
  • مسؤولين سابقين أو حاليين.
  • وسطاء.
  • جهات محلية.

المشكلة لا تكمن في وجود علاقات بين القطاعين العام والخاص بحد ذاتها، فهي موجودة في كل الدول، بل في غياب:

  • الشفافية.
  • قواعد تضارب المصالح.
  • الرقابة الفعالة.

 

 ثقافة "الخدمة مقابل الولاء"

في بعض البيئات الاجتماعية، قد يصبح الحصول على:

  • وظيفة.
  • رخصة.
  • خدمة عامة.
  • مساعدة اجتماعية.

مرتبطاً بقدرة الفرد على الوصول إلى وسيط سياسي. وهنا ينتقل المواطن من علاقة مباشرة مع الدولة إلى علاقة مع "الوسيط".

ثالثاً: الفساد الطائفي

عندما تتحول الهوية الطائفية إلى شبكة توزيع

الفساد الطائفي هو أكثر مستويات الفساد تعقيداً، لأنه لا يتعلق فقط بالأفراد، بل بطريقة تنظيم السلطة والموارد.

يجب التمييز هنا بين:

  • الطوائف كجزء من التنوع الاجتماعي اللبناني.
  • استخدام الطائفية كأداة سياسية لتوزيع النفوذ.

 النظام الطائفي وتوزيع الدولة

يقوم النظام السياسي اللبناني على مبدأ مشاركة الطوائف في السلطة.

تاريخياً، كان الهدف من هذا النظام منع هيمنة جماعة واحدة على الدولة.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المشاركة إلى منافسة على:

  • الوزارات.
  • المؤسسات.
  • الوظائف.
  • الموارد.

بدلاً من أن تكون المؤسسات وطنية تخدم الجميع.

وقد أظهرت دراسات حول توزيع الإنفاق العام في لبنان أن الاعتبارات الطائفية لعبت دوراً في أنماط توزيع الموارد العامة، أحياناً على حساب معايير الحاجة الاقتصادية والتنموية.

 الزعيم والطائفة والدولة

في النظام الزبائني، قد لا تكون العلاقة الأساسية للمواطن مع الدولة، بل مع زعيم أو شبكة سياسية توفر له الخدمات.

وهنا تظهر المعادلة التالية:

ضعف الدولة

حاجة المواطن إلى الوسيط

تقوية الزعيم السياسي

إضعاف الدولة أكثر

فتنشأ حلقة مغلقة.

 الطائفية كآلية حماية سياسية

في بعض الحالات، يؤدي الانتماء الطائفي إلى حماية السياسي من المحاسبة، لأن الانتقاد يُفسَّر على أنه استهداف للجماعة وليس مساءلة للشخص. وهذا يؤدي إلى مشكلة خطيرة هي تحويل المحاسبة من قضية قانونية إلى صراع هويات.

رابعاً: العلاقة بين الأنواع الثلاثة

الفساد العمودي والأفقي والطائفي لا تعمل منفصلة، بل تتداخل.

يمكن تصور العلاقة كالآتي:

الفساد العمودي
قرار سياسي في الأعلى

الفساد الأفقي
شبكات مصالح بين الفاعلين

الفساد الطائفي
توفير قاعدة اجتماعية للحماية والاستمرار

وهكذا يصبح الفساد نظاماً متكاملاً وليس مجرد مخالفة فردية.

خامساً: أثر الفساد على المجتمع اللبناني

غياب مفهوم المواطنة

عندما يحصل المواطن على حقوقه عبر الوسيط وليس عبر القانون، تتراجع الثقة بالدولة.

تعزيز عدم المساواة

يحصل أصحاب العلاقات الأقوى على فرص أكبر من أصحاب الكفاءة.

جرة الكفاءات

ضعف مبدأ الجدارة يؤدي إلى شعور كثير من الشباب بأن النجاح مرتبط بالعلاقات لا بالقدرات.

إضعاف التنمية

عندما تُوزع الموارد وفق الولاءات، لا تصل الاستثمارات إلى المناطق أو القطاعات الأكثر حاجة.

سادساً: سبب الفساد؟

الفساد هو نتيجة تفاعل بين:

  • بنية سياسية.
  • مؤسسات ضعيفة.
  • قوانين غير كافية.
  • ثقافة اجتماعية.
  • ظروف اقتصادية.

فالمواطن يلجأ إلى الوساطة لأنه يواجه نظاماً لا يوفر الخدمة بطريقة عادلة، وليس بالضرورة لأنه يرفض مفهوم الدولة.

سابعاً: كيف يمكن الإصلاح؟

بناء دولة المؤسسات

عبر:

  • استقلال القضاء.
  • تقوية الأجهزة الرقابية.
  • تطبيق القوانين.

فصل السياسة عن الإدارة

من خلال:

  • التعيين على أساس الكفاءة.
  • الغاء التدخلات السياسية.

 تعزيز الشفافية

عبر:

  • نشر المعلومات.
  • الرقابة على العقود.
  • حق الوصول إلى المعلومات.

 الانتقال من منطق الطائفة إلى منطق المواطن

ليس المطلوب إلغاء التنوع الاجتماعي، بل منع استخدام الهوية الطائفية كبديل عن الدولة.

إن الفساد في لبنان ليس ظاهرة منفصلة عن المجتمع، بل هو نتاج تفاعل تاريخي بين نظام سياسي قائم على التوازنات الطائفية، وشبكات اقتصادية واجتماعية، ومؤسسات عامة عانت طويلاً من غياب الاستقلالية والرقابة.

فالفساد العمودي يشرح كيف تنتقل السلطة إلى شبكات مصالح، والفساد الأفقي يوضح كيف تتوسع هذه الشبكات داخل المجتمع والاقتصاد، أما الفساد الطائفي فيفسر كيف يمكن أن تجد هذه الشبكات بيئة اجتماعية وسياسية تسمح باستمرارها.

ومعالجة المشكلة لا تكون فقط بمحاكمة أفراد، بل بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس:

القانون بدل الواسطة،
المؤسسة بدل الزعامة،
المواطنة بدل الزبائنية.

المراجع

1.   Cammett, Melani; Parreira, Christiana; Atallah, Sami.
"Is Clientelism (Only) for the Poor? Insights on Class and Clientelism from a Survey Experiment in Lebanon."
The Journal of Politics, 2024.

2.   Chatham House.
"Lebanon's Politics and Politicians."
2021/2022.

3.   Salti, Nisreen & Chaaban, Jad.
"The Role of Sectarianism in the Allocation of Public Expenditure in Postwar Lebanon."
International Journal of Middle East Studies, Cambridge University Press, 2010.

4.   Makdisi, Ussama.
The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon.
University of California Press, 2000.

5.   Traboulsi, Fawwaz.
A History of Modern Lebanon.
Pluto Press, 2007.

6.   Leenders, Reinoud.
Spoils of Truce: Corruption and State-Building in Postwar Lebanon.
Cornell University Press, 2012.

7.   World Bank.
Lebanon Systematic Country Diagnostic: Addressing the Challenges of Growth and Governance.

8.   Transparency International.
Corruption Perceptions Index - Lebanon Reports.

المصدر: ندى أمين الأعور
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 39 مشاهدة
نشرت فى 9 أغسطس 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,530,212

معبد الأقصر