authentication required

منذ فجر الحضارة المصرية، كانت هذه الأرض قادرة على إنجاب شخصيات استثنائية تتجاوز حدود الزمان والمكان. فمن الفراعنة الذين شيدوا الأهرامات، إلى العلماء والمفكرين والأدباء، ظل الإبداع المصري ظاهرة متجددة، تؤكد أن العبقرية ليست حدثًا عابرًا، بل امتدادٌ لتاريخ طويل من القدرة على الإنجاز.

وفي عصرنا الحديث، برز محمد صلاح بوصفه ظاهرة فريدة، ليس فقط بسبب موهبته الكروية النادرة، وإنما لأنه أصبح رمزًا عالميًا للأمل والإصرار والنجاح. إن الحفاوة الاستثنائية التي يحظى بها في مصر والعالم العربي لا يمكن تفسيرها بالإنجاز الرياضي وحده، بل ترتبط أيضًا بالحالة النفسية والسياسية التي يعيشها ملايين العرب والمسلمين.

لقد شهدت السنوات الأخيرة أحداثًا دامية، كان أبرزها مشاهد القتل والدمار التي تعرض لها الفلسطينيون، وما صاحبها من شعور واسع بالعجز أمام استمرار المأساة. وفي مثل هذه الظروف، تبحث الشعوب بطبيعتها عن رموز تمنحها الإحساس بأن التفوق ما زال ممكنًا، وأن الإنسان العربي قادر على أن يفرض احترامه على العالم من خلال العلم أو الثقافة أو الرياضة أو أي مجال آخر.

من هذا المنطلق، تحول محمد صلاح إلى أكثر من مجرد لاعب كرة قدم؛ فقد أصبح رمزًا نفسيًا يعكس إمكانية النجاح رغم الصعوبات، ويجسد صورة العربي الذي ينافس في أعلى المستويات العالمية بموهبته وانضباطه وأخلاقه، بعيدًا عن العنف أو التعصب.

والتاريخ يقدم لنا شواهد عديدة على هذه الظاهرة. فعندما تعرضت فرنسا لهزائم قاسية في حرب المئة عام، ظهر اسم جان دارك بوصفها رمزًا أعاد الثقة إلى الأمة الفرنسية. وخلال الاحتلال البريطاني للهند، تحول المهاتما غاندي إلى رمز منح ملايين الهنود الإيمان بإمكان التحرر من خلال المقاومة السلمية. وفي جنوب أفريقيا، أصبح نيلسون مانديلا رمزًا للأمل والوحدة الوطنية بعد عقود من الفصل العنصري. وفي الولايات المتحدة، اكتسبت انتصارات الرياضيين السود، مثل محمد علي، بعدًا يتجاوز الرياضة، إذ أصبحت تعبيرًا عن الكرامة والحقوق المدنية.

إن الشعوب، في أوقات الأزمات، لا تحتفي بالنجاح الفردي فحسب، بل تبحث في هذا النجاح عن معنى جماعي. ولهذا يمكن فهم الشعبية الجارفة لمحمد صلاح باعتبارها انعكاسًا لحاجة الملايين إلى نموذج يمنحهم الثقة بأن الانتماء العربي أو الإسلامي ليس عائقًا أمام بلوغ القمة.

ومع ذلك، فإن من المهم التأكيد على أن محمد صلاح لا يستطيع وحده أن يغير واقع المنطقة أو يوقف الحروب والمآسي. فالرياضة ليست بديلًا عن السياسة أو العدالة الدولية، لكنها قادرة على أن تمنح الناس شيئًا لا يقل أهمية في أوقات الشدة، وهو الأمل. والأمل كان دائمًا الشرارة الأولى التي تسبق كل نهضة في تاريخ الأمم.

وهكذا، فإن الاحتفاء بمحمد صلاح ليس احتفاءً بهدف جميل أو بطولة جديدة فحسب، بل هو احتفاء برمز استطاع أن يعيد إلى ملايين البشر جزءًا من ثقتهم بأنفسهم، وأن يذكرهم بأن الحضارات التي أنجبت العظماء في الماضي ما زالت قادرة على أن تنجب نماذج ملهمة في الحاضر، تؤكد أن العبقرية المصرية لم تكن يومًا صفحة من صفحات التاريخ، بل هي نهر متجدد لا ينضب.

صحيح مصر أم الدنيا

المصدر: الدكتور حسن عثمان دهب
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 31 مشاهدة
نشرت فى 9 أغسطس 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,531,382

معبد الأقصر