البقاء ليس للأقوى ولا للأذكى..

البقاء للأكثر استجابة للتغيير

تشارلز داروين

في البدء كانت الحكايات .. تبادلها البشر ونقلها الرواة لتسجيل تاريخهم ..أنصت الجميع إليها قبل أن يتعلموا القراءة والكتابة .. ليستفيد منها الناس جيلا بعد جيل - كما قال الكاتب الألماني جونتر جراس - (1927 – 2015)  الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1999-.. تطورت الدنيا وسقط منها الذين لم يستطيعوا التأقلم مع الجديد.. واستمر الذين استفادوا من التاريخ .. حدث ذلك في كل شئون الحياة .. والصحافة التي كانت دائمًا مرآة الحياة، لم تكن استثناءً.. فقد تحولت من الورق إلى الوسائط الرقمية ..وكانت شاهدة على تطور الحياة المليئة بالمتاعب والدهشة.. ومابين التوهج والأفول مضت السنوات وعاشها البشر.. منهم من كان يجري في مكانه.. ومنهم من توقف عن الجري ومنهم من قفز ليلتقط طوق النجاة ..انتقلت الصحافة من الورق إلى الديجيتال ميديا.. بعد أن غيرت شبكة الإنترنت  البشر في مختلف أنحاء العالم .. في رحلة استغرقت 6 عصور.. تحولت المعلومة من حبر على ورق.. إلى (خوارزمية) تفكر لتساعدنا.. كان الورق وسيط التسجيل البشري القديم (كتاب، صحيفة) وأصبح الذكاء الاصطناعي..الوسيط الجديد الذي يكتب، يقرأ، يفكر، ويتنبأ.

احتاج الإنسان إلى آلاف السنين لينتقل من الورق (الوسيط البطيئ والزائل) إلى عصر الذكاء الاصطناعي الذكي الخالد .. منذ 3000 ق.م بدأ عصر الكتابة على الألواح والطين والحجر والورق اليدوي( البردي) كان الإنسان يكتب بيده وعاش عصر الطباعة(جوتنبرج 1450) ثم عصر الحوسبة(أول كمبيوتر )1940 البيانات تُحفظ.. وجاءعصر الإنترنت .. (تيم بيرنرز لي .. يخترع أول موقع 1991) ثم عصر البيانات الكبيرة.. (الهواتف والشبكات) 2007 الآيفون .. وأخيرًاعصر الذكاء الاصطناعي (AI  ) بداية الشبكات العصبية 2010 ثم الآلة تكتب وتفكر 2022

الآن يكتب الذكاء الاصطناعي مقالاً في 3 ثوانٍ (الإنسان: 3 ساعات) إنه الانتقال من عصر الورق إلى AI  .. حيث التاريخ الرقمي للصحافة والبشر

الخلود الرقمي                 

في عصرنا .. كل إنسان يمتلك "تاريخاً رقمياً" يسجل خطواته اليومية على الإنترنت والأجهزة الذكية. هذا التاريخ ليس مجرد سجل للصور والرسائل، بل هو انعكاس كامل لشخصيتك، اهتماماتك، وتطورك عبر الزمن. إنه بمثابة سيرة ذاتية مكتوبة بلغة البيانات، تخزنها الشركات والخوادم، وتستخدمها لفهمك أفضل من نفسك أحياناً.. في عام 2023، قدرت دراسة من جامعة كامبريدج أن الشخص المتوسط يترك أكثر من 1.7 ميجابايت من البيانات يومياً، أي ما يعادل مكتبة كاملة من الكتب كل عام

التاريخ الرقمي (Digital Footprint) هو مجموع الآثار التي تتركها أفعالك عبر الإنترنت ..هو قصة حياتك من خلال السجل الشامل لكل نشاطاتك على الإنترنت .. بصمة لا تُمحى ..و إرثك الذي سيبقى بعدك ..   يساعدنا، لكنه قد يدمرنا إن أهملناه .. فقد تُفهم نشاطاتك خارج سياقها الزمني .. وقد يحكم عليك الآخرون بناءً على ماضيك الرقمي.. ومنشور قديم قد يعود ليؤذيك بعد سنوات ..والخوارزميات قد ترفض طلب قرض بنكي بناءً على تاريخك الرقمي .. فإذا كنت تريد أن يكون تاريخك إيجابيًا فعليك مراجعة حساباتك.. احذف البيانات القديمة.. استخدم أدوات مثل "حذف نشاطي" في جوجل .. وقبل النشراسأل نفسك: هل أريد أن يرى هذا رئيسي أو أطفالي مستقبلاً؟ ثم قرر

كل شيئ يتم تسجيله رقميًا ..طبعًا أنت تستطيع أن تمحو آثارك الرقمية متى شئت …ولكن في كثير من الحالات لن تنجح في ذلك وخاصة في المواقع التي تملك هي وحدها إمكانية الحذف أو الاحتفاظ بكل من يستخدم خدماتها.. يتكون تاريخك الرقمي من خلال تفاعلات يومية بسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي .. فكل "لايك" أو "شير" يساهم في رسم صورة عن آرائك السياسية ..وهواياتك أو علاقاتك.. كما أن عمليات البحث والتصفح على جوجل وغيرها تخزن استفساراتك..مما يكشف عن اهتماماتك الصحية، المهنية، أو الشخصية .. وساعات (أبل) أو (فيتبيت) وغيرهما تقوم بتسجل خطواتك وحتى نومك ..وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحفظ محادثاتك.. والتسوق الإلكتروني يكشف مشترياتك.. والرسائل والبريد الإلكتروني ولصور ومقاطع الفيديو التي تشاركها تبقي في الذاكرة الإلكترونية

الإنسان يموت مرتين: عندما يُدفن..وعندما تُمحى آثاره..لكن في عصر الذكاء الاصطناعي.. لا موت ثانٍ

.. تاريخك الرقمي هو صحيفتك الأبدية.

الصحفيون والكُتاب والمبدعون العرب .. كانوا يستخدمون الورق  والقلم في كتاباتهم  ..وحين انفجرت ثورة المعلومات في تسعينات القرن العشرين  ..لم يكن أمامهم غير خيار واحد وهو استخدام الإنترنت .. فقد اخترع تيم بيرنرز لي - العالم البريطاني - شبكة الويب العالمية (WWW) عام١٩٨٩ وأنشأ أول موقع ويب في العالم في 6 أغسطس 1991 (http://info.cern.ch) خلال عمله في سيرن (اختصارلـ «المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية» وهي أضخم مختبر فيزياء في العالم.. صُممت الشبكة في الأصل لتلبية الطلب على تبادل المعلومات آليًا بين العلماء في الجامعات والمعاهد حول العالم.. واستُضيف هذا الموقع على كمبيوتر (بيرنرز لي ) .. وفي ٣٠ أبريل ١٩٩٣ وضعت (سيرن )برنامج الويب العالمي في المجال العام ..ثم أتاحت إصدارًا بترخيص مفتوح.. لزيادة انتشاره.. وقد أتاحت هذه الإجراءات للويب ازدهارًا كبيرًا...مما جعل الإنترنت سهل الاستخدام

وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين تحوّلًا جوهريًا في الصحافة .. بانتقالها من الورق إلى الفضاء الرقمي..متأثرةً بثورة الاتصالات والمعلومات..حيث فتحت شبكة الإنترنت مجالات جديدة للنشر الفوري والتفاعل مع الجمهور. ويُعدّ هذا التحول حجر الزاوية في نشأة ما يُعرف اليوم بـ “الصحافة الإلكترونية” التي غيّرت وسائل الإنتاج الإعلامي والتلقي الإخباري على حد سواء

اختلفت المراجع الأكاديمية في تحديد أول صحيفة في العالم أنشأت موقعها على الإنترنت .. كما اختلفت في ترتيب الصحف العالمية في دخول الفضاء الإلكتروني .. وهذا يرجع إلى أن الصحفيين الذين كانت لهم الريادة لم يسجلوا تجاربهم لأنهم لم يدركوا أن الصحافة ستعتمد على الإنترنت .. باستثاء كاتب هذه السطورالذي سجل دهشة البدايات بعد اكتشافه أن (أرشيف االويب) لم يسجل كل شيئ لكنه تمكن من الحصول على وثائق تثبت أن (الجمهورية) كانت أول صحيفة مصرية تنشئ موقعها قبل الصحف القومية الأخرى .. ولم يعثر على وثائق سجلها أي صحفي في العالم العربي لصحيفة أخرى .. واعتمد على ماجاء في بعض رسائل الماجستير والدكتوراة .. وما تتضمنته تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفي مقدمتها : جروك (المدفوع).. تشات جي بي تي .. كوبايلوت ..وديب سيك .

بدأالتاريخ الرقمي للصحافة بمرحلة تجريبية  في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات (1989–1993) حين استخدمت بعض الصحف خدمات الإنترنت المبكرة مثل “CompuServe” و“AOL” لنشر الأخبار..لكن التحول الفعلي كان في عام 1994 لأنه شهد ولادة أول مواقع صحفية حقيقية على شبكة الويب (وليس فقط على شبكات مغلقة) وكانت أول صحيفة معروفة أنشأت موقعًا على الإنترنت   (الديلي تليجراف )البريطانية عام 1994.ثم تبعتها(سان جوزي ميركيري نيوزالأمريكية ).. وفي 1995 أطلقت نيويورك تايمز والجارديان وواشنطن بوست مواقعها الإلكترونية أيضًا.

الصحافة العربية

تعود الريادة عربيًا إلى صحيفة (الشرق الأوسط )الصادرة في لندن .. حيث كانت من أوائل الصحف العربية التي دشنت موقعًا إلكترونيًا عام 1995  تبعتها صحيفة (الرياض) السعودية عام 1997 ثم (الاتحاد ) و(البيان) في الإمارات العربية المتحدة.. ثم لحقتها صحيفة (الراية )القطرية التي بدأت بث نسختها الإلكترونية في 1 يناير 1997

وحققت (الجمهورية )المصرية في 16 فبراير 1997 الريادة المصرية في الصحافة الإلكترونية عبر النطاق tahrir.net  طبقًا لما أكدته وثائق عديدة من دراسات أكاديمية ورسائل ماجستير ودكتوراة و(أرشيف الويب) www.web.archive.org الذي بدأ حفظ صفحات من الموقع يوم أول يولية 1997 حيث نشر  مقال الدكتورة عواطف عبد الجليل في الجمهورية كما نشره موقع الجمهورية و مازال أرشيف الويب يحتفظ ببعض صفحاتها ..

وبعد الجمهورية بعام جاءت الاهرام ثم الأخبار.. واسرعت بقية الصحف إلى الأون لاين .. وانتقلت مع التطور من المواقع الى البوابات والمنصات ثم التطبيقات والسوشيل ميديا ..والآن دخلت الى عصر ا(لإيه آي )AIوكانت التقنية المستخدمة في البداية تعتمد على نشر الأخبار والموضوعات والمقالات الورقية بصيغة الصور.. قبل أن تُحدّث لاحقًا لتدعم النص الفائق (Hypertext) وبعض عناصر الوسائط المتعددة

وأطلقت صحيفة (الأهرام ) موقعها الإلكتروني في 5 أغسطس 1998، لتكون ثاني صحيفة مصرية تدخل عالم النشر الإلكتروني..وفي 30 يونيو 2000، دشّنت صحيفة (الأخبار ) التابعة لمؤسسة أخبار اليوم موقعها الإلكتروني بعد فترة بث تجريبي استمرت ثلاثة أشهر

ومن الصحافة انتقل الإبداع البشري من روايات وشعر ودراسات الى (الخلود الرقمي ) وأصبحت الصحف والكتب تُقرأ من خلال الأجهزة الذكية ( الموبايل والأيباد واللاب توب والكمبيوتر) وظهرت تطبيقات الكتب والكتب المسموعة  الصوتية والمصورة والفيديوهات ..الخلود الرقمي من أوسع ابوابه.

المصدر: موقع محمد الشرقاوي
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 20 مشاهدة
نشرت فى 14 مايو 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,208,593

معبد الأقصر