
كتب: عبد الفتاح حامد
فى أمسية ثقافية وفكرية مميزة، احتضن حفل توقيع ومناقشة كتاب “الصورة فى فلسفات ما بعد الحداثة – بودريار نموذجًا” الصادر عن دار نشر بتانة، حضورًا لافتًا من نخبة الإعلاميين والفنانين والمثقفين والحقوقيين والشخصيات العامة، فى مشهد عكس أهمية الموضوع الذى يطرحه الكتاب وحداثته.
أدارت الندوة باقتدار الدكتور مسعود شومان، الذى أضفى على الحوار طابعًا ثريًا ومتوازنًا، بينما شارك فى المناقشة كل من الدكتور أنور مغيث والدكتور حسن يوسف، حيث قدّما قراءات نقدية عميقة أثرت النقاش وفتحت آفاقًا جديدة لفهم أطروحات الكتاب.
وفى كلمتها خلال الحفل، أكدت الكاتبة مديحه عاشور أن العمل لا يندرج فقط تحت إطار الدراسة الأكاديمية، بل يمثل “رحلة تأمل وفهم” لطبيعة الصورة فى عالم ما بعد الحداثة، مشيرة إلى أن السؤال لم يعد مقتصرًا على ما نراه، بل امتد ليشمل من يصوغ وعينا ويشكل إدراكنا للواقع.
وأوضحت أن الكتاب يستند إلى فلسفات ما بعد الحداثة التى تعيد النظر فى مفهوم “الحقيقة الواحدة”، وتطرح احتمالات متعددة للواقع، خاصة فى ظل هيمنة الصورة كوسيط أساسى للمعرفة والتأثير. كما تناولت من خلال نموذج الفيلسوف الفرنسى جان بودريار، فكرة أن الصورة لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت قادرة على صناعته وفرض نفسها كبديل عنه.
وتطرقت الكاتبة إلى أمثلة معاصرة تعكس خطورة تزييف الواقع، لاسيما فى ظل الحروب الحديثة، حيث أشارت إلى انتشار مقاطع فيديو وصور مفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى، يتم تداولها على أنها أحداث حقيقية، ما يخلق “نسخًا متعددة من الواقع” تتنافس على تصديق الجمهور.
وأكدت أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس غياب الحقيقة، بل قدرة الصورة على الحلول محلها، فى عالم باتت فيه المحاكاة أكثر حضورًا وتأثيرًا من الواقع نفسه.
وشهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الحضور، الذين أشادوا بجرأة الطرح وعمق المعالجة، مؤكدين أن الكتاب يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول دور الصورة فى تشكيل الوعى الإنسانى فى العصر الرقمى.
وأشاد الدكتور حسن يوسف خلال كلمته بالجهد العلمى المبذول فى الرسالة التى بُنى عليها الكتاب، مؤكدًا أن مستوى الطرح وعمق المعالجة يؤهلانها لأن تكون أطروحة دكتوراه، لما تحمله من جدية أكاديمية ورؤية تحليلية متميزة.
من جانبه، أكد الدكتور أنور مغيث أن الكاتبة تعد “باحثة دؤوبة”، مشيرًا إلى أن الكتاب يتسم بدرجة عالية من الإتقان والمنهجية الأكاديمية، وفى الوقت ذاته ينجح فى مخاطبة القارئ المتخصص وغير المتخصص على حد سواء، وهو ما يعكس قدرة لافتة على تبسيط المفاهيم الفلسفية دون الإخلال بعمقها.
يأتى هذا العمل ليؤكد أن الفلسفة لا تقدم إجابات نهائية، بقدر ما تثير تساؤلات ضرورية، تدفع القارئ لإعادة التفكير فى كل ما يحيط به، فى زمن أصبحت فيه الصورة اللاعب الأبرز فى تشكيل الحقيقة.



ساحة النقاش