في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي بلا هوادة، وحين بات الإنترنت هواءً يتنفسه الجميع، يصعب على أجيال اليوم أن تتخيل تلك الحقبة الغريبة من التسعينيات حين كانت الشبكة العنكبوتية طلاسم لا يفك رموزها إلا المهندسون والمبرمجون. في تلك الحقبة بالذات، برز اسم محمد الشرقاوي، الكاتب الصحفي في جريدة الجمهورية المصرية، ليكون الصحفي العربي الأول الذي لا يكتفي بالتأمل من بعيد، بل يقتحم هذا العالم المجهول ويوثّق رحلته بقلمه بجرأة نادرة.

"كانت الإنترنت طلاسم لا يفهمها إلا المهندسون والمبرمجون، وقبل أن يكتشف الصحفيون أهميتها للصحافة."

في السادس عشر من فبراير عام 1997، دخلت مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر التاريخَ من بابه الواسع، إذ أطلقت أول موقع إلكتروني لمؤسسة صحفية مصرية على شبكة الإنترنت، ضامّةً إليه نسخاً إلكترونية من صحف الجمهورية والمساء والجازيت ومصر اليوم. وكان الشرقاوي في قلب هذا الحدث التأسيسي، إذ كان مؤسس مركز تكنولوجيا المعلومات في تلك المؤسسة، وأحد المساهمين الرئيسيين في إنشاء هذا الموقع الذي غيّر وجه الصحافة المصرية إلى الأبد.

ما يميّز تجربة الشرقاوي عن غيره ليس فقط الريادة التقنية، بل الوعي المبكر بأن هذه اللحظة التاريخية تستحق أن تُوثَّق بعين صحفي يفهم دلالاتها. ففي عام 1998، أسّس أول باب يومي متخصص في الإنترنت والكمبيوتر في الصحافة المصرية تحت اسم "التحريرنت" في جريدة الجمهورية، وبذلك كسر الحاجز الوهمي الذي كان يفصل عالم التكنولوجيا عن القارئ العادي. ثم جاء كتابه "إنترنت للجميع" في سلسلة كتاب الجمهورية عام 2003 ليكون الأول من نوعه في مصر الذي يُصدره صحفي في هذا المجال، إذ أراد الشرقاوي أن يُدمّج اللغة الصحفية السهلة بمتطلبات العصر الرقمي الصاعد.

"أول مؤسسة صحفية مصرية أنشأت موقعاً لها على شبكة الإنترنت كانت مؤسسة دار التحرير للطباعة والنشر، في 16 فبراير 1997." — من الأرشيف الأكاديمي للصحافة الإلكترونية العربية

لم يتوقف مشواره عند هذا الحد، فقد ساهم الشرقاوي أيضاً في مبادرة غوغل لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت، وشارك عام 2003 في أول مؤتمر للتكنولوجيا والصحافة العربية الذي عُقد في مدينة سياتل الأمريكية. كان يحمل هموم الصحفي العربي في مرحلة انتقالية حرجة، ويسعى إلى تجسير الهوة بين عالمَي الصحافة التقليدية والرقمية في وقت لم يكن فيه معظم زملائه يُدركون أن ثورة حقيقية تقترب.

اليوم، وحين يعود الشرقاوي إلى وثائقه وأرشيفه، لا يفعل ذلك بدافع الافتخار الشخصي وحسب، بل بحس المؤرخ الذي يدرك أن توثيق تلك اللحظات المبهجة المدهشة واجب لا يقل أهمية عن الكتابة عنها في حينه. فهو يسعى إلى أن يكون الشاهد الأمين على ميلاد الصحافة الإلكترونية في مصر، بكل ما حملته تلك اللحظة من دهشة وارتباك وإيمان بالمستقبل. وفي زمن كثر فيه من يدّعون الريادة، يكتفي محمد الشرقاوي بأن تتكلم الوثائق عنه.

yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 18 مشاهدة
نشرت فى 21 إبريل 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,127,941

معبد الأقصر