authentication required

مثاليّة السارد في رواية "ثمـرة النار" للكاتبة اللبنانية حنـين الصايغ

فراس حج محمد| فلسطين

لا شكّ في أنّ اللغة السرديّة لها طبيعة مختلفة عن اللغة الشعريّة، وتحدّثتُ عن ذلك في غيـر مناسبة، وتحدّث عنه غيري مما هو مبثوث في كتب النقد الأدبي، وتعدّ اللغة السرديّة العصب الأساسي للرواية. ولكلّ رواية أفقها اللغوي الخاصّ بها، ويتشكّل بناء على عدّة محدّدات أوّلها: الموضوع؛ إذ إنّ لكلّ موضوع لغته الخاصّة، ومصطلحاته، ثمّ الشخصيّات التي تدور في فضاء الرواية، ومستوياتهم العلميّة وأعمالهم، وأدوارهم، واهتماماتهم وعلاقاتهم البينيّة، وكونهم رجالاً أو نساء، صغاراً أو كباراً، كذلك البيئة التي يحيون فيها لها أثر كبير في توجيه اللغة، ولا بدّ من أن ينتبه كاتب الرواية إلى هذا، فأبناء القرى لهم لغة تختلف عن أبناء المدن، وتظهر في معالجتهم للموضوعات المختلفة، وأمثالهم، وثقافتهم، وتصرفاتهم اللغويّة، وأخيـراً يمكن الإشارة إلى الفتـرة الزمنية التي تتحكّم في مفردات النصّ ولغته.

هذه المحدّدات الأربعة للغة في الرواية يجب أن توظّف توظيفاً مثاليّاً، والمقصود بالمثالي هو مطابقة اللغة للواقع الذي تمثلّه، وفي رواية ثمرة النار لحنين الصايغ (بيروت، 2025) شيء كبيـر من هذه المثاليّة التي ارتبطت بالموضوع، والبيئة، والشخصيّات، والفتـرة الزمنيّة، ويضاف إلى هذه المحدّدات محدّد خامس وهو مثاليّة اللغة السرديّة ذاتها، بمعنى الصياغة والسلاسة والبعد عن إنشائيّة الشعر، ولذلك فإنّ من أراد أن يتعلّم اللغة السرديّة فبإمكانه أن يتعلّمها من هذه الرواية، ويمكن أن تعدّ نموذجاً تعليميّاً عمليّاً يوضّـح مفهوم المعنـى المقصود "باللغة السرديّة" أو "الروائيّة" في بعدها عن التهويل الإنشائي واللغة التعبيريّة غيـر المفهومة؛ التهويميّة المرتكزة على المجاز أو اللغة التي لا تدري أتحسبها على المجاز أم على الحقيقة، تلك اللغة التي لا تستطيع أن تقبض منها على معنى فكري محدّد.

وبناء على ذلك، فإنّ اللغة السرديّة في رواية ثمر النار تقدّم نموذجاً للغة الروائيّة العمليّة بحيث تكون اللغة على مقدار الحدث، تصوّره تماماً كما هو، ولا تضفي عليه أيّ لون من ألوان المشاعر الإضافيّة ما خلا "تعليقات السارد"  التي أظهرته أحياناً غيـر حيادي، وهي قليلة، ولا تكاد تُلمح، ولم ألاحظها إلّا في ثلاثة مواضع فقط، بمعنى أنّ السارد الذي صنعته الكاتبة كان مضبوط الأعصاب، طيّعاً، وينفّذ مهمته بأمانة، ولم يتفلت لينحاز إلى شهوة السرد العاطفي، كما قد يفعل السارد المخلوق على أيدي كاتبات أخريات، ولذلك أوجد السارد مداخل طبيعيّة مقنعة لتوظيف اللغة الشعريّة أو المقاطع الغنائيّة، كما سأوضحه في ما سيأتي.

تتحدّث رواية "ثمرة النار" عن موضوع اجتماعي في بيئة درزيّة ريفيّة منعزلة، وبعيدة عن المدينة، من خلال أسرة نوويّة، مكوّنة من أب وأمّ وأربع بنات، وهي أسرة نبيلة، هذه الأسرة هي عمدة الرواية، وشخصيّاتها هم الفواعل الأساسيّة في البنية السرديّة، ويتشابك الموضوع الديني بالموضوع الاجتماعي، بل هما مجدولان معاً، ما يؤكّد وجهة نظر علماء الاجتماع في حتميّة هيمنة التعاليم الدينيّة وتحكّمها في السلوك الاجتماعي على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي، إذاً، فإنّ لغة الرواية ستمتح من هاتين البئـرين الكبيـرتين، البيئة الاجتماعيّة الريفيّة، واللغة الدينيّة الدرزيّة.

ولهذا، فإنّه كان من الطبيعي أو المثاليّ أن تغصّ الرواية بالمفردات التي تحيا في هذه البيئة، ومن أراد أن يتعرّف على هذه الطائفة وما يجري فيها، ويريد أن يفهم السياقات اللغوية لبعض المفردات فإنّه سيجد ضالّته في رواية ثمرة النار، فتعبيـرات مثل "استلم دينه" لا تفهم هكذا دون سياقها الاجتماعي والديني، والمناديل الطويلة والستحة وخلوة الشيخ وخلوة المرأة بعد الولادة، لا يُفهم الغرض منها دون أن يتعرّف غيـر الدرزي على أهل هذه الطائفة مباشرة، أو من خلال قراءة ما أنتجه مبدعوه من أدب، كما هو الحال عند أدب الصوفيّة أو أدب الأمم الأخرى.

ومن هنا تبـرز أهميّة الرواية- وكلّ أدب على وجه العموم- في أنّها تحفظ اللغة والمفردات في مستوياتها الدلاليّة الخاصّة بالمجتمع التي ولدت فيه تلك المفردات وتمثّله في النصّ الأدبي، لذلك شكّلت لي الرواية معجماً خاصاً عن البيئة الدرزيّة الريفيّة، وأسماء الأشياء، والأماكن، والطرقات، والتصرفات، والعادات والتقاليد، والأمثال الشعبيّة، وجانباً من اللغة العاميّة، واشتملت الرواية على كثير من المفردات التي أحيتها الكاتبة وهي كثيـرة، وتعد بالنسبة لي من غرائب اللغة، من مثل البحص، والشرغوف، والستحة، ولقّيس، والمرملة، والمنثول، والقعّاية، وتآويل (جمع تأويل)، والقاورما، لقد دفعتني الرواية لأفتّش عن معنى بعض هذه الألفاظ ودلالتها المعجميّة.

وعلى مستوى الوصف فإنّ الرواية اشتملت على مقاطع وصف خارجي مذهلة في دقّتها وفي تتبّع التفاصيل، إنّ الروائيّة بهذا العمل تعيد الاعتبار لعنصر الوصف ضمن النسيج السردي، فتتأمّل المكان، وتعطيه عنايتها الفائفة، هذا الوصف الخارجي للأشياء لم تعد تهتمّ به الروايات المعاصرة كما كانت تهتمّ به الرواية الكلاسيكيّة، إذ كانت تمنح صفحات طويلة لوصف الأشياء من الخارج ما يعني أنّ السارد متمهّل، لا يستعجل في قصّ الحكاية، ويستمتع بالعمل وبهذه المهمّة، ويكاد يشكر الروائيَّ خالقَه على أن منحه هذه الفرصة من الحياة الجماليّة في تأمّل هذه الأشياء الجميلة ليكتبها ويبدع في تجسيدها.

في رواية "ثمرة النار" يجد القارئ هذه المساحة السرديّة الممنوحة للوصف، وليعبّـر السارد عن حاسّته الجماليّة، مع أنّ هذه المساحات ليست كثيـرة في الرواية، ولم تكن أيضاً هذه المساحات ممتدّة إلّا أنّها موجودة، وكافية في لغتها التفصيليّة في إعطاء الوصف الخارجي حقّه في المتن السردي. وفي ما يأتي لوحة وصفيّة كما جاءت في الرواية:

تفوّقت نبيلة على نفسها بتحويل هذا الإناء بالذات إلى تحفة لم يسبق لها أن صنعت مثلها بعد أن وضعت فيه حفنة من البحص، أضافت عليها حفنة تراب مخصّص للزراعة، ثمّ أتت بقطعة مكسورة من وعاء مستدير آخر وغرستها في حفنة التـراب مبتعدة عدّة سنتيمترات عن الحافّة المكسورة لتصنع ما يشبه المدرّجات. وكرّرت العمليّة عبـر غرس قطع خزفيّة أخرى حتّـى تشكّلت عندها ثلاث طبقات. بعدها رصفت مجموعة من الأحجار الصغيرة جهة اليسار لتصنع سلماً مستديرا يصل الطبقات ببعضها . حين انتهت، ملأت جميع الطبقات بالتراب وغرست عدّة أنواع من نبات الصبار في الطبقات الثلاث. وفي النهاية، وضعت على أعلى طبقةٍ بيتاً خشبيّاً صغيراً كان لعبة لأحد أحفادها ووزّعت أكواز الصنوبر الصغيرة بين الصبّارات. حين همّت بالنهوض، شعرت أنّ ركبتيها قد تيبّستا من الجلوس على الأرض جاثية، لكنّها استعانت بيديها لدفع جسدها إلى الأعلى. رجعت خطوتين إلى الوراء ومالت برأسها إلى اليمين لتعاين العمل بتجرُّد، ثم ابتسمت ابتسامة رضا إذ بدا لها أجمل ممّا تخيّلته قبل التنفيذ. ولكن تحفتها لم تكتمل إلّا حين نقلت الإناء إلى ركن فيه مقبس لتمرّر عليه شريطاً من الأضواء الصفراء الهادئة.

بهذه الفقرة التي اندمج فيها الوصف الخارجي للأشياء مع المشهد السردي استطاع السارد أن يقدّم مع اهتمامه بنقل تلك التفاصيل لعمل نبيلة مع النباتات جانباً مهمّاً من وعيها الجمالي البيئـي، ومقدرتها على "استنطاق الجمال من الأشياء المحطمة والفارغة"، وهذا التعليق من السارد لم يكن ليكون ابن لحظته وغارق في مشهديّته فقط، بل سيمتدّ أثره ليـراه القارئ في كلّ عمل نبيلة في صناعة الخبـز وحتى في إدارتها للأزمات العائليّة، وفي علاقتها مع عليّ، افتراضيّاً وواقعيّاً، بمعنى آخر أنّ الجمل السرديّة النابعة من تعليقات السارد كانت محمّلة بالدلالات ولا تقف عند مَنْشئها الأوّل التي ولدت فيه، وهذا جانب آخر من جوانب مثاليّة اللغة السرديّة في هذه الرواية.

تقودني جملة السارد السابقة إلى موضوع آخر، اشتمل عليه السرد، وهي تلك الصياغات العامّة الحِكْمِيّة، وهذه الجمل يستطيع القارئ أن يستخلصها لنفسه لتكون ضمن دفتـره الخاصّ ومقتباساته كما كانت تفعل نبيلة، وهي تدوّن في دفترها بعض الشذرات، ثمّ تطوّرت في "عاشقة الظلّ" لتلتقط من الصفحات الفيسبوكيّة مجموعة من الجمل التي تتناغم وحسّها الجمالي اللغوي المرهف لترسلها إلى عليّ، مقتباسات حِكْمِيّة عامّة من جلال الدين الرومي، ومن غيـره، وعن الموسيقى وغيـر الموسيقى، وارتبط النوعان (المقتبسة والمصوغة من السارد) من هذه الحِكَم ببيان شخصيّة نبيلة الفكريّة الواعية الحسّاسة للجمال اللغوي والفكري، كما هي كانت حسّاسة للجمال الخارجي في البيئة والأزهار وتصفيف أوعية الزهر وصناعتها وتشكيلها، كما بدا جزء منه في الصورة السرديّة السابقة.

لقد استطعتُ الانتباه إلى جزء من هذه المقتبسات، وها أنا أسجّل بعضها وردت في عشرة مواضع من الرواية:

* إنّ الجميع مثقلون بالخيبة والارتباك، وإنّ الحياة أسرع من أن يراجع المرء نفسه، أسرع من أن يتعلم من خطئه، فبينما ينشغل بإصلاح أخطاء قديمة، يقع منومّاً في أخطاء لم يكن يعرف عنها شيئاً.

* كم من السهل أن تناكف شخصاً تراه ندّاً لك، وكم يصبح الأمر صعباً عندما ترى الآخر ناقصاً أو أقلّ شأناً منك بأيّ شكل.

* كلّ القواعد التي تُفرض برقابة خارجيّة يتمّ خرقها حين تغيب هذه الرقابة.

* الانتظار ملح القرويّين ووعد من لا حيلة له.

*  الألم الحقيقي لا يأتي من الآخرين بقدر ما يأتي من اهتـزاز صورة المرء أمام نفسه حين يتخاذل في الدفاع عنها.

* الشعور بالذنب رفاهيّة وهو عارض جانبيّ للتفكير، والتفكير عارض جانبيّ للفراغ والكسل.

* جحيم الإنسان لا يمكن أن يكون خارج رأسه.

* من لم يحصل على القبول من والديه سيبحث عنه في الآخرين مدى الدهر.

* الموت يفضح تفاهة الأمور التي تشعل فتيل الغضب في دواخلنا، الموت هو الهويّة الحقيقيّة لكلّ من هو حيّ، لذلك يفضح حضوره زيف كلّ الهويّات الأخرى.

* كلّ من يظنّ نفسه أفضل من الآخرين، ينفصل بكامل إرادته عنهم، ويكرّس ذلك الانفصال لحماية نفسه.

لعلّ القارئ سيلاحظ أنّ هذه المقتبسات ذات مستوى لغوي عالٍ في الصياغة، ومتقشّف في البناء على مستوى الجملة، إذ يتجنّب السارد التعقيد اللغوي والزركشة البلاغيّة، وسيقرأها القارئ وتصلح لأن يتمثّل بها كأنّها حكمة عامّة، في مواقف حياتيّة كثيـرة، ويستخدمها في منشوراته القصيرة في منصّات التواصل الاجتماعي المختلفة، ويتفنّن في زركشتها الجماليّة، كما يفعل مع أبيات الشعر أو نصوص القرآن الكريم أو حِكَم الأدباء والشذرات الفلسفيّة.

وتكمن أهمّيّة هذه الجُمَل في مقدرة السارد على صناعة نصّ سردي ذي وزن فكري، لا يقتصر على السرد الآني الحدثي، بل إنّ من مهام السارد الخاصّة في البنية السرديّة إيجاد مثل هذه الحِكَم، لأنّها هي من تعطي له شخصيّة مفكّرة، وأنّه سارد يتمتّع بأفق فلسفي وعقلي متقدّم، قادر على صناعة نصّ مكثف وزاخر بالمضمون الإنساني العابر للحكاية، وللرواية، وللثقافة الخاصّة، وليس ثرثاراً، ينقل أخباراً، ويقصّ قصصاً وحكايات فارغة ينتهي مفعولها بانتهاء قراءتها حتّى قبل الانتهاء من قراءة النصّ نفسه.

وبلا شكّ عندي في أنّ الروائي الجيّد المنتبه لعمله يجنح إلى مثل هذه الحِكَم السرديّة شريطة ألّا تبدو مقحمة في النصّ أو أنّها متكلّفة في صياغتها، بل لا بدّ من أن تبدو جزءاً أصيلاً من السياق، ترتبط به عضويّاً وهي جزء من جُمَله السابقة واللاحقة، وجزء من مضمون النصّ أو المشهد السردي كما قد يلاحظ القارئ ذلك في الأمثلة السابقة، حتّى ليصعب عليك أحياناً وأنت مندمج في القراءة أن تنتبه لهذه الجمل التي قد تاه كثيـر منها منّي نتيجة اندماجها العضوي مع النصّ، بحيث أصبحت مخفيّة، لأنّ السارد بصير بعمله، وحاذق في إحكام سرده، ومقدّر فيه، كما جاء في قوله تعالى "وقدّر في السرد"، ولا بدّ من استعارة المعنى القرآني في سرد الدروع لعمل السارد الروائي، حيث إنّ تقدير "المسامير في حلق الدروع حتّى يكون بمقدار لا تغلظ المسمار، وتضيق الحلقة فتفصم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسامير وتدقّها فتسلس في الحلقة"، بمعنى أنّها تكون مسرودة تؤدّي الغرض؛ (على قَدّ القدّ)، فقد جاءت هذه الحِكَم كأنّها "مسامير في حلقات سرد النص، فلم تغلظ وتكثـر لينفصم السرد ويتبعثر، ولم تقصر وتقلّ بحيث تتلاشى وتموت.

من هذه النقطة المثاليّة أنتقل إلى ملمح سردي آخر في رواية ثمرة النار، وهو الملمح الخاصّ بتوظيف الأشعار والغناء، فقد ورد في النصّ ذكر أمّ كلثوم، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، ووائل كفوري، وكان التوظيف السردي لبعض مقاطع من الأغاني لافتاً من حيث دلالته العاطفيّة، والسرديّة معاً، فحضرت فيروز وأمّ كلثوم في مواضع متعدّدة ببعض المقاطع، وجاءت هذه المقاطع ملتحمة مع البناء السردي بحيث تعبّـر عن العاطفة المطلوب التعبير عنها في تلك البؤرة السرديّة من النص الروائي.

وأمّا الشعر، فإنّ السارد العليم، والخبيـر بعمله، المنطقيّ في توضيب أشيائه داخل الجمل السرديّة، أنطق نبيلة بمقطع شعري قصير، أنطقه إيّاها وهي في شخصيّتها الواقعيّة، محترماً تاريخ الكاتبة حنين الصايغ الشعري، ومتماهياً معه في حدود ما يسمح به عمله الروائي. يقول المقطع:

"كالثلج المندوف صباي

كان منعشاً وخفيفاً...

أتى على غفلة

وسرعان ما تحول إلى ماء.

كالثلج المندوف صباي

تساقط تحت غطاء العتمة واختفى

قبل أن أجمع منه حفنة في إناء".

هذا المقطع الذي لم يعره عليّ اهتماماً كافياً، ولم يعلّق عليه إلّا بعد إلحاح من نبيلة بجملة عابرة "ماشي حاله"، تربطه مع تلك الأشعار الركيكة التي ترسلها له وهي "عاشقة الظل" فيبالغ في مدحها، ما يعني ترسيخ صورتين متناقضتين لعليّ؛ بين صورته الافتراضيّة، وصورته الواقعيّة، ولإكمال المشهد تتذكر نبيلة ما كان يردّده زوجها عليّ من شعر زجلي أيّام شبابه، إنّها ما زالت تتذكّره، وقد كانت ابنة ثمانية عشر عاماً "حين كان يرفع سبّابته في الهواء ويغمض عينيه ويرندح المقاطع الزجليّة وهو يهزّ رأسه"؛ إنّها تجسّد تلك الذاكرة بهذه الصورة السرديّة بوضوح شديد.

ولا يخفى ما لاسم "عاشقة الظلّ" من معنى شعريّ وعاطفي، ويناسب الدور السردي التي أدّته نبيلة وهي تراسل زوجها بشخصيّته الافتراضية واسمه الفيسبوكي المستعار، ويناسب شخصيّتها العطوفة الباحثة عن شريك عاطفي حقيقي واقعـي يكون معها كما هو مع عاشقة الظلّ الافتراضيّة، وبذلك تكون قد عاشت مشاعرها المفتقدة افتراضيّاً وليس واقعيّاً، ولترسيخ مفهوم المفارقة السرديّة كانا يتراسلان وهما على مسافة قريبة، ما يعني أنّ قربهم المادّي يفسّر بعداً أو جفافاً عاطفيّاً، وأنّ افتراضيّتهم التي هي بعد معنوي جعلتهما في تناغم، ولم تُمحَ هذه المسافة بينهما، وماتت نبيلة وما زال هذا الواقع المؤلم قائماً.

 لقد وجد السارد المثالي حلّاً لهذه المعضلة من خلال تفصيل اسم عليّ المستعار على مقاس هذا الدور المتناقض الذي ظلّ ينبـئ عن شخصيّته المتعالية؛ فيمنحه السارد اسم "نسر الأعالي"، هذا الاسم الذي يعبّـر عن حقيقة العلاقة بينه وبين زوجته نبيلة افتراضيّاً وواقعيّاً، فعليّ هذا بهذا الاسم وبهذه الافتراضيّة صار حمامة وادعة خلال المحادثات مع "عاشقة الظلّ"، وكأن السارد أراد أن يفضح هذا التعالي الظاهري الذي كان في واقعه تعالياً كاذباً، فظلّ مقوداً للمشايخ وحريصاً على ما يقوله الناس، ويخاف من الفضيحة، لكنّه في الوقت ذاته انقاد لعاشقة الظلّ افتراضيّاً بمعنى من المعاني، وأثّرت في قراراته وخاصّة في مسامحته لابنته أمل، وتناغم مع تلك المرأة العشرينيّة في كثير من القضايا الاجتماعيّة والفنّيّة الجمالية، لكنّه مقلّ وصامت وبخيل في مشاعره الواقعيّة مع زوجته وبناته الأربعة، وبذلك تظهر صورة من صور انتقام السارد من شخصية عليّ، وهو انتقام مثالي فنّيّ، مبرّر وله وجاهته المنطقيّة.

المصدر: المصدر: فراس حج محمد
yomgedid

بوابة "يوم جديد"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 51 مشاهدة
نشرت فى 5 إبريل 2026 بواسطة yomgedid

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,074,570

معبد الأقصر