
د. علاء بسيوني
أستاذ الاقتصاد المساعد - كلية التجارة جامعة الأزهر
الإسلام شجع على الإنتاج والصناعة باعتبارهما ركيزة لعمارة الأرض، وعبادة تؤدي إلى الرزق الحلال، وذلك عبر توجيهات من القرآن الكريم والسنة النبوية التي جعلت من العمل عبادة، ومن الإنتاج واجباً لعمارة الأرض وبناء الحضارة الإسلامية، وذلك من خلال:
أولاً: فمن القرآن الكريم نجد شواهد على أهمية الإنتاج والصناعة من أهمها ما يلي:
-الإشارة لأهمية المعادن كركيزة أساسية للصناعة: هناك سورة كاملة في القرآن الكريم سُميت باسم "سورة الحديد"، وذكر الله تعالى فيه: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، ليلفت الأنظار إلى أهميته هذا المعدن في الصناعات سواء المدنية أو العسكرية.
-أشار القرآن إلى بعض الأنبياء الذين نتخذهم كقدوة كانوا أصحاب صناعة وحرفة؛ مثل سيدنا نوح عليه السلام الذي كان يعمل نجاراً لصناعة السفينة، قال تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}، وكذلك سيدنا داود عليه السلام الذي كان يمتهن صناعة الدروع قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ}.
-أن الله تعالى في القرآن الكريم استخلفنا على الأرض وأمرنا بعمارتها، في قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي طلب منكم عمارتها وعمارة الأرض تستلزم الإنتاج والعمل، والإنتاج وعمارة الأرض يستلزم ممارسة الصناعة، ومن ثم فإن الصناعة مأمور بها ضمنا في القرآن الكريم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هو عمارة الأرض التي لا يمكن أن تتحقق إلا بالصناعة.
-أن الله تعالى وهو من له المثل الأعلى أمرنا أن نتدبر في خلقه وصنتعه، بقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] ومن ثم فإن اتقان الصناعة يجب أن يتخذ كمنهج يتبعه المسلم في عمله وصناعته، اقتداءا بالله تعالى الذي ابدع في صناعته وأتقن كل شيء، لأنه سبحانه وتعالى هو من له المثل الأعلى. ومن ثم أفلا يجدر بكل صاحب صنعه أن يتقن في صنعته أو يضعها وساماً على صدرته اقتداء بالله تعالى الذي تباهى باتقانه في صنعته بقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} .
ثانياً: أما من السنة النبوية فنجد هناك شواهد كثيرة تحدث على العمل بالصناعة والاتقان فيها من أهمها ما يلي:
- أن النبي ﷺ حثنا على العمل والإنتاج، وذكر لنا أن أطيب الكسب هو ما كان من عمل اليد، فقال ﷺ "ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ" وقد كان نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ يعمل بصناعة الدورع. وهذا يدل على أهمية الصناعة.
- نجد في السنة مباركة أرباب الصانع والحرف: قال ﷺ " إنَّ اللهَ يَصنَعُ كلَّ صانِعٍ وصَنعَتَه" أي: مَعَ صَنعَتِه، ويهبه القدرة على تحصيل الصَّنعةَ وفَعَلَها أي القيام بها، قال تعالى: {واللهُ خَلَقَكُم وما تَعمَلونَ}. وفي ذلك رفع لمكانة الصنّاع وأرباب المهن والحرف.
- كما نجد في الأثر الحث على الإتقان في العمل والصنائع والحرف: لما ورد في الأثر إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.
أن النبي ﷺ عندما جاءه رجل يسأل، لم يعطه مالاً، بل أمره بشراء فأس والاحتطاب، مشجعاً إياه على العمل والإنتاج واتخاذ صنعة أو حرفة بدلاً من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.



ساحة النقاش