
بقلم د. علاء بسيوني
أستاذ الاقتصاد المساعد - كلية التجارة جامعة الأزهر
الاقتصاد الإسلامي يتبنى فلسفة الحرية الاقتصادية المنضبطة بقواعد الشريعة الإسلامية، التي تمنع الظلم وترسخ العدالة في كل جوانب الحياة الإنسانية، ومنها تنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل على النحو الذي يمنع الخلاف ويحد من النزاع بينهما، فلكل منهما الحق في القبول أو رفض العرض المقدم من الطرف الأخر عند التعاقد، وإذا حدث نزاع بينهما يتم الفصل فيه وفقاً لسعر السوق والعرف السائد.
أما عن الحد الأدنى للأجور فنجد في الشريعة الإسلامية متسع لاستنباط أحكامه منها ما يتعلق:
- العاملون لدى الدولة والقطاع العام، والتي يجب أن ترتبط مستويات أجورهم بحد الكفاية المعيشية: لما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " مَن وَليَ لنا عملًا، وليس له مَنزلٌ، فلْيتَّخِذْ مَنزلًا، أو ليست له زَوجةٌ فلْيتزوَّجْ، أو ليس له خادمٌ فلْيتَّخِذْ خادمًا، أو ليست له دابَّةٌ فلْيتَّخِذْ دابَّةً، ومَن أصابَ شيئًا سِوى ذلك فهو غالٌّ" والحاصل أن التشريع الإسلامي فطن منذ البداية إلى أن عدم حصول هذه الفئة على مستوى أجور يحقق لها كفايتها المعيشية سيفتح الباب للبيروقراطية والفساد والروتين والرشوة، مما يسبب الوهن في مفاصل الدولة الإسلامية، لذلك أمرنا النبي ﷺ بتوفير حد الكفاية المعيشية لهذه الفئة من البداية.
- العاملون بالقطاع الخاص: وهذه الفئة يتحدد مستوى الأجر فيها وفقاً لظروف السوق والعرض والطلب ولا يشترط أن تحصل على أجر يتساوى مع حد الكفاية المعيشية، إلا أن النبي ﷺ وضع معياراً يضمن حصول العاملين بها على أقصى مستوى ممكن من الأجور "إخْوانُكمْ خَوَلُكمْ، جعلَهُمُ اللهُ قِنْيةً تحتَ أيدِيكمْ، فمَنْ كان أخُوهُ تحتَ يديْهِ فلْيُطعِمْهُ من طعامِهِ، ولْيُلْبِسْهُ من لِباسِه، ولا يُكَلِّفُهُ ما يَغلِبُهُ، فإنْ كلَّفَهُ ما يَغلِبُهُ فلْيُعِنْهُ". أي أن مستوى الأجر يجب أن يتوافق مع مستوى الدخل الذي يحصل عليه صاحب العمل من العملية الإنتاجية، فيزداد دخل العاملين بهذا القطاع مع زيادة أرباح الشركات التي يعملون بها، ويجب على أصحاب هذه الشركات عدم بخس العمال شيئاً من حقوقهم والعمل على إعطائهم مستوى أجر لا يقل عن حد الكفاية المعيشية، حتى وإن كانت مستويات الأجور في السوق أقل من ذلك طالما أن الشركة تحقق إيرادات تغطي تكاليف الإنتاج وتحقق هامش ربح مرضي.
غير أنه لا يشترط أن يكون مستوى الدخل الذي يحصل عليه العاملين بالقطاع الخاص يتساوى مع حد الكفاية المعيشية، لذلك فإن جزء من هذه الفئة يستحق الحصول على الزكاة والصدقات والدعم للوصول إلى حد الكفاية المعيشية.
جدير بالذكر أنه ينبغي على كل فرد في التشريع الإسلامي أن يعمل لاكتساب الرزق والوصول إلى حد الكفاية المعيشية له ولأفراد أسرته (من يعول)، فإن عجز بجهده الخاص أن يصل إلى حد الكفاية المعيشية فإنه ينبغي على المجتمع الذي يعيش فيه مساعدته عن طريق الزكاة والصدقات للوصول إلى كفايته المعيشية هو وأفراد أسرته، فإن عجز المجتمع عن مساعدته يجب على الدولة الإسلامية مساعدته للوصول إلى هذا الحد من موازنتها العامة، فإن عجزت إيرادات الدولة عن تحقيق حد الكفاية المعيشية للفقراء والمساكين من أعضاء المجتمع ينبغي عليها أن تقوم بفرض ضريبة التوظيف على أموال الأغنياء بما يوفي بمتطلبات تحقيق حد الكفاية المعيشية لجميع أعضاء المجتمع، مع الإشارة إلى أن ضريبة التوظيف في الفقه الإسلامي ضريبة مؤقته (مرتبطة بظروف معينة) ىوليست دائمة، بمعنى أنه يتم إلغائها متى انتفت الحاجة إليها.



ساحة النقاش