فى مقالتنا الثانية انتهينا إلى أن النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى بنت صرحا رياضيا ضخما لنظرية العرض والطلب على إفتراض خاطىء واحد : أن السعر متغير مستقل يحرك الكميات والواقع يثبت غير ذلك بأن الكميات تتغير أولا ثم يأتى السعر كنتاج تفاوضى تصادق عليه أو ترفضه إرادة الطلب.
وأن جهـــــاز الأسعار لا يعمــــل بأزرار وشــاشات ولا بمحركات تلقائية بــــل يعمــــل بإرادة بشـــرية ( إرادة الطلب ) وهذه الإرادة البشرية تتوقف على دوافع نفسية وجماعية وإجتماعية وتفاوضية .
أخطاء علم الإقتصاد التقليدى فى عرض النظرية
خطأ علم الإقتصاد التقليدى فى عرض نظرية العرض والطلب وجهاز الأسعار فيما يلى :
<!--خطا منهجى يتمثل فى النظرية التى قلبت العلاقة بأن جعلت السعر مستقلا والكمية تابعة .
<!--خطأ فلسفى يتمثل فى أن نظرية العرض والطلب بعلم الإقتصاد التقليدى تفترض أن جانب الطلب ( إرادة الطلب ) رشيدة وتحسب القيمة ، والواقع أن جانب الطلب قد يكون عاطفيا وغريزيا وغير رشيد .
<!--خطأ التبرير الأكاديمى يتمثل فى أن هناك يكاد يكون تحالفا بين أباطرة الأعمال والمنظرين فى علم الإقتصاد التقليدى لتكريس الوهم .ولكن لماذا يحفون تكريسه ؟
لأن القول بأن السوق يحدد السعر بصورة تلقائية يعنى : لا تدخل حكومى - لا رقابة – لا محاسبة
وهذا بالضبط ما يريده أباطرة الأعمال حيث يخفون إرادتهم فى التحكم بالأسعار خلف ستار النظريات العلمية أو كما يسمونها النظريات الواقعية وهى لا تمثل الواقع . فجهاز الأسعار لم يكن يوما جهازا محايدا ، بل كان غطاءا أكاديميا لإرادة من يملكون العرض ويشكلون الطلب كما يريدون .
الواقع الذى أربك النظرية السائدة الأن
لم تأت هذه الأفكار السابقة من فراغ ، ولم تأت من بين صفحات الكتب ، بل جاءت من الواقع الذى رفض أن يطيع النظرية السائدة فتأمل معى هذه الأسعار :
<!--لاعب كرة قدم يباع ب200 مليون يورو! فلا زرع ولا صبع ولا بنى ولا ينتج شيئا ملموسا .
<!--قطعة أثر تباع فى مزاد علنى بمئات الملايين ! لا تؤكل ولا تلبس ولا تحل مشكلة واحدة فى حياة إنسان تعترض حياته .
<!--فيلم إباحى ومقاطع تيك توك ومحتوى فارغ من أى قيمة حقيقية ! ويدر ملايين كل يوم .
ماذا تقول النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى بشان هذه الأسعار ؟ صمت رهيب لأنها بنت صرحها على ركيزتين :
<!--قيمة الإستخدام .. فالسلعة تساوى بقدر ما تنفع
<!--ندرة العرض .. السعر يرتفع بقدر ما يشح العرض
ولكن الأمثلة السابقة تكسر هاتين الركزيتين معا : أين قيمة الإستخدام فى مقطع التيك توك ؟ وأين ندرة العرض فى فيلم إباحى ينسخ بلا حدود ؟ فلا شىء موجود من هذا فى ذاك .
إذن ما الذى يحدد السعر حقا ؟
إرادة الطلب وحدها ، ولكن هذه ليست بالإرادة الرشيدة التى تزن وتحسب وتقيس بل إرادة :
<!--عاطفية تدفع بلا حساب
<!--غريزية تستجيب بلا تفكير
<!--مدفوعة بالموضة تقلد بلا وعى
<!--مصنوعة ومتصنعة تمشى وراء الشكل وبريق الخارج فقط
كيف تنشأ إرادة الطلب ؟
النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى تفترض أن الطلب حر فى إرادته ويختار بعقله ووفقا لما تمليه مصلحته
لكن الواقع يكشف أن إرادة الطلب تصنع وتشكل وتوجه ! .
<!--من يملك الإعلام يصنع الرغبة
<!--من يملك منصات التواصل يوجه الإهتمام
<!--من يملك صناعة الترفيه يحدد ما يريده الناس قبل أن يعرفوا ما يريدونه
ظهور التحالف بين أباطرة العمال والمنظرون بعلم الإقتصاد التقليدى
أباطرة العمال يريدون حرية مطلقة فى التحكم بالأسعار ، والمنظرون للنظرية السائدة يمنحونهم الغطاء الأكاديمى لذلك .. كيف ؟
يطلقون على تحكمهم فى السوق " ألية تلقائية "
يطلقون سيطرتهم على الطلب " حرية المستهلك "
يطلقون على إحتكارهم للعرض " كفاءة السوق "
والحقيقة المرة التى تختبىء خلف ما يقولون من نظريات :
" جهاز الأسعار " لم يكن يوما جهازا محايدا يعمل تلقائيا بل كان دائما :
<!--غطاء أكاديمى يضفى الشرعية على من يتحكمون فى العرض
<!--أداة لتشكيل الطلب وتوجيه إرادة المستهلك " الطلب " بعيدا عن وعيه
فالنظرية لم تصف الواقع بل خدمت أصحاب المصلحة ، وخلاصة القول :
ثلاث حقائق يكشفها الواقع وتخفيه النظرية السائدة :
<!--الأسعار الخيالية التى نراها كل يوم لا تفسير لها فى نظرية العرض والطلب السائدة ، بل إرادة الطلب بصرف النظر عن أى قيمة حقيقية .
<!--إرادة الطلب ليست حرة ورشيدة كا افترضت النظرية السائدة بل مصنوعة وموجهة من قبل هؤلاء الذين يملكون أدوات التاثير .
<!--التحالف بين أباطرة الأعمال والنظرية السائدة ليس صدفة بل هو تحالف مصالح يخفى إرادة التحكم خلف ستار العلم .



ساحة النقاش